والثَّاني: أخبار منقولة عن الكتب السَّالفة متوارثة بين أهل الكتاب.
والثَّالث: من أمورٍ أخبر نبيُّنا ﷺ بها جملةً وتفصيلًا.
والرَّابع: من أمورٍ أخبر بها من له كشفٌ من الصَّحابة ومن بعدهم.
والخامس: من مناماتٍ متواطئةٍ على أمرٍ كلِّيٍّ أو جزئيٍّ. فالجزئيُّ يذكرونه بعينه، والكلِّيُّ يفصِّلونه بحَدْسٍ وقرائنَ تكون حقًّا أو تُقارِب.
والسَّادس: من استدلالٍ بآثار عُلويَّةٍ جعلها الله سبحانه علاماتٍ وأدلَّةً وأسبابًا لحوادثَ أرضيَّةٍ لا يعلمها أكثر النَّاس، فإنَّ الله سبحانه لم يخلق شيئًا سُدًى ولا عبثًا٤، وربط سبحانه العالم العُلويَّ بالسُّفليِّ، وجعل عُلويَّه مؤثِّرًا في سُفليِّه دون العكس، فالشَّمس والقمر لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، وإن كان كسوفهما سببًا لشرٍّ٥ يحدث في الأرض؛ ولهذا شرع سبحانه تغيير الشَّرِّ عند كسوفهما مما٦ يدفع ذلك الشَّرَّ المتوقَّع من الصَّلاة
(١) أخرجه البخاري (٣٢١٠) ومسلم (٢٢٢٨) من حديث عائشة ﵂.
(٢) في المطبوع: «وأما أصحاب». والمثبت من النسخ.
(٣) في المطبوع: «من أخبار» وكذا فيما يلي. والمثبت من النسخ.
(٤) ص، د: «سرا ولا غيبًا»، تحريف.
(٥) في المطبوع: «لسبب شر» خلاف النسخ.
(٦) م، ح: «ما». وفي المطبوع: «بما». والمثبت من ص، د.
والذِّكر والدُّعاء والتَّوبة والاستغفار والعتق، فإنَّ هذه الأسباب تُعارِض أسباب الشَّرِّ وتُقاوِمها، وتدفع موجبها إن قويت عليها.
وقد جعل الله سبحانه حركة الشَّمس والقمر واختلافَ مطالعهما سببًا للفصول الَّتي هي سبب الحرِّ والبرد والشِّتاء والصَّيف، وما يحدث فيهما ممَّا يليق بكلِّ فصلٍ منها. فمن له اعتناءٌ بحركاتهما واختلافِ مطالعهما، يستدلُّ بذلك على ما يحدث في النَّبات والحيوان وغيرهما، وهذا أمرٌ يعرفه كثيرٌ من أهل الفِلاحة والزِّراعة. ورُبَّانِيُّ١ السُّفُن لهم استدلالاتٌ بأحوالهما وأحوال الكواكب على أسباب السَّلامة والعَطَب٢ من اختلاف الرِّياح وقوَّتها وعُصوفها، لا تكاد تَختلُّ. والأطبَّاء لهم استدلالاتٌ بأحوال القمر والشَّمس على اختلاف طبيعة الإنسان، وتَهيُّئها لقبول التَّغيُّر، واستعدادِها لأمورٍ غريبةٍ ونحو ذلك.
وواضعو الملاحم لهم عنايةٌ شديدةٌ بهذا، وأمورٌ متوارثةٌ عن قدماء المنجِّمين، ثمَّ يستنتجون٣ من هذا كلِّه قياساتٍ وأحكامًا تُشبِه ما تقدَّم نظيره. وسنَّة الله في خلقه جاريةٌ على سَنَنٍ اقتضتْه حكمتُه، فحكمُ النَّظير حكمُ نظيرِه، وحكمُ الشَّيء حكمُ مثلِه، وهؤلاء صرفوا قوى أذهانهم إلى أحكام القضاء والتقدير، واعتبار بعضه ببعضٍ، والاستدلال ببعضه على بعضٍ، كما صرف أئمَّة الشَّرع قوى أذهانهم إلى أحكام الأمر والشَّرع،
(١) الرُّبَّان والرُّبَّاني: رئيس الملاحين. والمؤلف قصد بها الجمع، فينبغي أن تكون: «رُبَّانِيُّو» أو «رَبَابينُ». وفي المطبوع: «نواتي»، تحريف.