زاد المعاد

والذِّكر والدُّعاء والتَّوبة والاستغفار والعتق، فإنَّ هذه الأسباب تُعارِض أسباب الشَّرِّ وتُقاوِمها، وتدفع موجبها إن قويت عليها.

وقد جعل الله سبحانه حركة الشَّمس والقمر واختلافَ مطالعهما سببًا للفصول الَّتي هي سبب الحرِّ والبرد والشِّتاء والصَّيف، وما يحدث فيهما ممَّا يليق بكلِّ فصلٍ منها. فمن له اعتناءٌ بحركاتهما واختلافِ مطالعهما، يستدلُّ بذلك على ما يحدث في النَّبات والحيوان وغيرهما، وهذا أمرٌ يعرفه كثيرٌ من أهل الفِلاحة والزِّراعة. ورُبَّانِيُّ١ السُّفُن لهم استدلالاتٌ بأحوالهما وأحوال الكواكب على أسباب السَّلامة والعَطَب٢ من اختلاف الرِّياح وقوَّتها وعُصوفها، لا تكاد تَختلُّ. والأطبَّاء لهم استدلالاتٌ بأحوال القمر والشَّمس على اختلاف طبيعة الإنسان، وتَهيُّئها لقبول التَّغيُّر، واستعدادِها لأمورٍ غريبةٍ ونحو ذلك.

وواضعو الملاحم لهم عنايةٌ شديدةٌ بهذا، وأمورٌ متوارثةٌ عن قدماء المنجِّمين، ثمَّ يستنتجون٣ من هذا كلِّه قياساتٍ وأحكامًا تُشبِه ما تقدَّم نظيره. وسنَّة الله في خلقه جاريةٌ على سَنَنٍ اقتضتْه حكمتُه، فحكمُ النَّظير حكمُ نظيرِه، وحكمُ الشَّيء حكمُ مثلِه، وهؤلاء صرفوا قوى أذهانهم إلى أحكام القضاء والتقدير، واعتبار بعضه ببعضٍ، والاستدلال ببعضه على بعضٍ، كما صرف أئمَّة الشَّرع قوى أذهانهم إلى أحكام الأمر والشَّرع،

  1. (١) الرُّبَّان والرُّبَّاني: رئيس الملاحين. والمؤلف قصد بها الجمع، فينبغي أن تكون: «رُبَّانِيُّو» أو «رَبَابينُ». وفي المطبوع: «نواتي»، تحريف.
  2. (٢) ص، د: «الغضب»، تحريف.
  3. (٣) د: «يستفتحون».
473

واعتبار بعضه ببعضٍ، والاستدلال ببعضه على بعضٍ. والله سبحانه له الخلق والأمر، ومصدُر خلقه وأمره عن حكمةٍ لا تختلُّ ولا تعطَّل١ ولا تنتقض، ومن صَرفَ قوى ذهنه وفكره، واستنفدَ٢ ساعاتِ عمره في شيءٍ من أحكام هذا العالم وعلمه، كان له فيه من النُّفوذ والمعرفة والاطِّلاع ما ليس لغيره.

ويكفي الاعتبارُ بفرعٍ واحدٍ من فروعه، وهو عبارة الرُّؤيا، فإنَّ العبد إذا نفَذَ فيها وكملَ اطِّلاعُه جاء بالعجائب. وقد شاهدنا نحن وغيرنا من ذلك أمورًا عجيبةً، يحكم فيها المعبِّر بأحكامٍ متلازمةٍ صادقةٍ سريعةٍ وبطيئةٍ، يقول سامعها: هذه علم غيبٍ. وإنَّما هي معرفة ما غاب عن غيره بأسبابٍ انفرد هو بعلمها، وخفيت على غيره.

والشَّارع صلوات الله وسلامه عليه حرَّم مِن تَعاطِي ذلك ما مضرَّته راجحةٌ على منفعته، أو ما لا منفعة فيه، أو ما يُخشى على صاحبه أن يَجُرَّه إلى الشِّرك، وحرَّم بذل المال في ذلك، وحرَّم أخذَه به؛ صيانةً للأمَّة عمَّا يُفسد عليها الإيمان أو يَخْدِشه، بخلاف علم عبارة الرُّؤيا، فإنَّه حقٌّ لا باطلٌ؛ لأنَّ الرُّؤيا مستندةٌ إلى الوحي المناميِّ، وهي جزءٌ من أجزاء النُّبوَّة؛ ولهذا كلَّما كان الرَّائي أصدقَ كانت رؤياه أصدقَ، وكلَّما كان المعبِّر أصدقَ وأبرَّ وأعلمَ كان تعبيره أصحَّ، بخلاف الكاهن والمنجِّم وأضرابهما ممَّن لهم مددٌ من إخوانهم من الشَّياطين؛ فإنَّ صناعتهم لا تصحُّ من صادقٍ ولا بارٍّ ولا متقيِّدٍ بالشَّريعة، بل هم أشبهُ بالسَّحرة الذين كلَّما كان أحدهم أكذبَ وأفجرَ وأبعدَ عن الله ورسوله ودينه، كان السِّحر معه أقوى وأشدَّ تأثيرًا، بخلاف كلِّ ما كان

  1. (١) كذا في النسخ بتاء واحدة. وفي المطبوع: «تتعطل».
  2. (٢) ص، د، ز، م: «واستنفذ».
474

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي