زاد المعاد

«كسب الحجَّام خبيثٌ»١، ثمَّ أعطى الحجَّام أجره، وكان ذلك ناسخًا لمنعه وتحريمه ونهيه. انتهى كلامه.

وأسهلُ ما في هذه الطَّريقة أنَّها دعوى مجرَّدةٌ لا دليلَ عليها، فلا تُقبل، كيف وفي الحديث نفسه ما يُبطِلها؛ فإنَّه ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثمَّ قال: «ما بالهم وبال الكلاب؟»، ثمَّ رخَّص لهم في كلب الصَّيد.

وقال ابن عمر: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب إلا كلبَ صيدٍ، أو كلبَ غنمٍ أو ماشيةٍ٢. وقال عبد الله بن مغفَّلٍ: أمرنا رسول الله ﷺ بقتل الكلاب، ثمَّ قال: «ما بالهم وبال الكلاب؟»، ثمَّ رخَّص في كلب الصَّيد وكلب الغنم٣.

والحديثان في «الصَّحيح»، فدلَّ على أنَّ الرُّخصة في كلب الصَّيد والغنم وقعت بعد الأمر بقتل الكلاب، فالكلب الذي أذن رسول الله ﷺ في اقتنائه هو الذي حرَّم ثمنه وأخبر أنَّه خبيثٌ، دونَ الكلب الذي أمر بقتله، فإنَّ المأمور بقتله غير مستبقًى حتَّى تحتاج الأمَّة إلى بيان حكم ثمنه، ولم تجْرِ العادة ببيعه وشرائه، بخلاف الكلب المأذون في اقتنائه، فإنَّ الحاجة داعيةٌ إلى بيان حكم ثمنه أولى من حاجتهم إلى بيان ما لم تجْرِ عادتهم ببيعه، بل قد أُمِروا بقتله.

  1. (١) أخرجه مسلم (١٥٦٨) من حديث رافع بن خديج، وقد تقدم (ص ٤٤٥).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٣٣٢٣) ومسلم (١٥٧١)، وهذا لفظ مسلم.
  3. (٣) أخرجه مسلم (٢٨٠).
476

وممَّا يبيِّن هذا أنَّه ﷺ ذكر الأربعة الَّتي تُبذَل فيها الأموال عادةً لحرص النُّفوس عليها، وهي ما تأخذه الزَّانية والكاهن والحجَّام وبائع الكلب، فكيف يُحمل هذا على كلبٍ لم تجْرِ العادة ببيعه، وتخرج منه الكلاب الَّتي إنَّما جرت العادة ببيعها؟ هذا من الممتنع البيِّن امتناعه. وإذا تبيَّن هذا ظهر فساد ما شبِّه به من نسخ خبث أجرة الحجَّام، بل دعوى النَّسخ فيها أبعد.

وأمَّا إعطاء النَّبيِّ ﷺ الحجَّام أجره فلا يعارض قوله: «كسب الحجَّام خبيثٌ»؛ فإنَّه لم يقل: إنَّ إعطاءه خبيثٌ، بل إعطاؤه إمَّا واجبٌ، وإمَّا مستحبٌّ، وإمَّا جائزٌ، ولكن هو خبيثٌ بالنِّسبة إلى الآخذ، وخبثه بالنِّسبة إلى أكله، فهو خبيث الكسب، ولم يلزم من ذلك تحريمه؛ فقد سمَّى النَّبيُّ ﷺ الثُّوم والبصل خبيثينِ مع إباحة أكلهما، ولا يلزم من إعطاء النَّبيِّ ﷺ الحجَّام أجرَه حِلُّ أكله فضلًا عن كون أكله طيِّبًا؛ فإنَّه قال: «إنِّي لأُعطي الرَّجلَ العطيَّةَ يخرج بها يتأبَّطُها نارًا»١. والنَّبيُّ ﷺ قد كان يُعطي المؤلَّفةَ قلوبُهم من مال الزَّكاة والفيء مع غناهم وعدمِ حاجتهم إليه؛ ليبذُلوا من الإسلام والطَّاعة ما يجب عليهم بذلُه بدون العطاء، ولا يحلُّ لهم توقُّف بذْلِه على الأخذ، بل يجب عليهم المبادرة إلى بذله بلا عوضٍ.

وهذا أصلٌ معروفٌ من أصول الشَّرع: أنَّ العقد والبذل قد يكون جائزًا أو مستحبًّا أو واجبًا من أحد الطَّرفين، مكروهًا أو محرَّمًا من الطَّرف الآخر، فيجب على الباذل أن يبذل، ويحرم على الآخذ أن يأخذه.

وبالجملة فخبث أجر الحجَّام من جنس خبث أكل الثُّوم والبصل، لكنَّ

  1. (١) أخرجه أحمد (١١٠٠٤) وابن حبان (٣٤١٤) والحاكم (١/ ٤٦) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
477

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي