في «صحيح البخاريِّ»١ عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن عَسْب الفَحْل.
وفي «صحيح مسلم»٢ عن جابر أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بيع ضِراب الجَمل٣.
وهذا الثَّاني تفسيرٌ للأوَّل٤، وسمَّى أجرة ضِرابه بيعًا؛ إمَّا لكون المقصود هو الماء الذي له، فالثَّمن مبذولٌ في مقابلة عين مائه، وهو حقيقة البيع، وإمَّا أنَّه سمَّى إجارته لذلك بيعًا، إذ هي عقد معاوضةٍ وهي بيع المنافع، والعادة أنَّهم يستأجرون الفحل للضِّراب، وهذا هو الذي نُهِي عنه٥، والعقد الوارد عليه باطلٌ، سواءٌ كان٦ بيعًا أو إجارةً، وهذا قول جمهور العلماء، منهم أحمد والشَّافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابهم.
وقال أبو الوفاء بن عقيلٍ٧: ويحتمل عندي الجواز؛ لأنَّه عقدٌ على منافع الفحل ونَزْوِه على الأنثى، وهي منفعةٌ مقصودةٌ، وماء الفحل يدخل
(١) برقم (٢٢٨٤).
(٢) برقم (١٥٦٥).
(٣) كذا في د، م، ح و«صحيح مسلم». وفي بقية النسخ والمطبوع: «الفحل».
(٤) د، ز: «الأول».
(٥) «عنه» ليست في د، ص.
(٦) ص، د، ز: «كانت».
(٧) كما في «المغني» (٦/ ٣٠٢).
تبعًا، والغالب حصوله عقيبَ نَزْوِه، فيكون كالعقد على الظِّئر؛ ليحصل اللَّبن في بطن الصَّبيِّ، وكما لو استأجر أرضًا وفيها بئر ماءٍ، فإنَّ الماء يدخل تبعًا، وقد يُغتفر في الأتباع ما لا يُغتفر في المتبوعات.
وأمَّا مالك فحُكِي عنه جوازه، والَّذي ذكره أصحابه التَّفصيل، فقال صاحب «الجواهر»١ في باب فساد العقد من جهة نهي الشَّارع: ومنها بيع عَسْب الفحل، ويُحمل النَّهي فيه على استئجار الفحل على لِقاح الأنثى، وهو فاسدٌ؛ لأنَّه غير مقدورٍ على تسليمه، فأمَّا إن استأجره على أن يحمله عليها٢ دفعاتٍ معلومةً فذلك جائزٌ، إذ هو أمدٌ معلومٌ في نفسه، ومقدورٌ على تسليمه.
والصَّحيح تحريمُه مطلقًا وفسادُ العقد به على كلِّ حالٍ، ويحرم على الآخذ٣ أخذُ أجرة ضِرابه، ولا يحرم على المعطي؛ لأنَّه بذل ماله في تحصيل مباحٍ يحتاج إليه، ولا يُمنع من هذا كما في كسب الحجَّام وأجرة الكَسَّاح٤. والنَّبيُّ ﷺ نهى عمَّا يعتادونه من استئجار الفحل للضِّراب، وسمَّى ذلك بيعَ عَسْبه، فلا يجوز حمْلُ كلامه على غير الواقع والمعتاد، وإخلاءُ الواقع من البيان، مع أنَّه الذي قصد بالنَّهي. ومن المعلوم أنَّه ليس للمستأجر غرضٌ صحيحٌ في نَزْو الفحل على الأنثى الذي له دَفَعاتٌ معلومةٌ، وإنَّما غرضه نتيجة ذلك وثمرته، ولأجله بذلَ ماله.
(١) «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٤٢١).
(٢) في المطبوع: «فأما أن يستأجره على أن ينزو عليه» خلاف النسخ و«عقد الجواهر».
(٣) في المطبوع: «الآخر» خلاف النسخ. والمثبت هو الصواب بقرينة «المعطي» الآتية فيما بعد.