زاد المعاد

يستقون منها في يوم عثمان لليومين، فقال اليهوديُّ: أفسدت عليَّ بئري فاشترِ باقيَها، فاشتراه بثمانية آلافٍ١. فكان في هذا حجَّةٌ على صحَّةِ بيع البئر، وجواز شرائها وتسبيلها، وصحَّةِ بيع ما يسقى منها، وجواز قسمة الماء بالمهايأة، وعلى كون المالك أحقَّ بمائها، وجواز قسمة ما فيه حقٌّ وليس بمملوكٍ.

فإن قيل: فإذا كان الماء عندكم لا يُمْلَك، ولكلِّ واحدٍ أن يستقي منه حاجته، فكيف أمكن اليهوديَّ تحجُّرُه حتَّى اشترى عثمان البئر وسبَّلها؟ فإن قلتم: اشترى نفس البئر وكانت مملوكةً، ودخل الماء تبعًا، أشكل عليكم من وجهٍ آخر، وهو أنَّكم قرَّرتم أنَّه يجوز للرَّجل دخول أرض غيره لأخذ الكلأ والماء، وقضيَّة بئر اليهوديِّ تدلُّ على أحد الأمرين ولا بدَّ: إمَّا مِلْك الماء بمِلْك قراره، وإمَّا على أنَّه لا يجوز دخول الأرض لأخذ ما فيها من المباح إلا بإذن مالكها.

قيل: هذا سؤالٌ قويٌّ، وقد يتمسَّك به من ذهب إلى واحدٍ من هذين المذهبين، ومن منعَ الأمرينِ يجيب عنه بأنَّ هذا كان في أوَّل الإسلام، وحين قدِمَ النَّبيُّ ﷺ، وقبلَ تقرُّر الأحكام، وكان اليهود إذ ذاك لهم الشوكة بالمدينة، ولم تكن أحكام الإسلام جاريةً عليهم، والنَّبيُّ ﷺ لمَّا قدِم صالحَهم، وأقرَّهم على ما بأيديهم، لم يتعرَّض له. ثمَّ استقرَّت الأحكام،

  1. (١) أخرج القصة مختصرة ابن شبَّة في «تاريخ المدينة» (١/ ١٥٣)، وهي في «الاستيعاب» لابن عبد البر (٣/ ١٠٤٠). والحديث أخرجه الترمذي (٣٧٠٣) والنسائي (٣٦٠٨)، وأصله في «صحيح البخاري» معلقًا (٥/ ٢٩).
494

وزالت شوكة اليهود١، وجرت عليهم أحكام الشَّريعة، وسياق قصَّة هذه البئر ظاهرٌ في أنَّها كانت حين مَقدَمِ النَّبيِّ ﷺ المدينةَ في أوَّل الأمر.

فصل

فأما المياه الجارية، فما كان نابعًا من غير مِلْكٍ ــ كالأنهار الكبار وغير ذلك ــ لم يُمْلَك بحالٍ، ولو دخل إلى أرض رجلٍ لم يملكه بذلك، وهو كالطَّير يدخل إلى أرضه، فلا يُمْلك بذلك، ولكلِّ واحدٍ٢ أخْذُه وصَيدُه. فإن جعل له في أرضه مصنعًا أو بِرْكةً يجتمع فيها ثمَّ يخرج منها، فهو كنقع البئر سواءٌ، وفيه من النِّزاع ما فيه، وإن كان لا يخرج منها فهو أحقُّ به للشُّرب والسَّقي، وما فضَلَ عنه فحكمه حكم ما تقدَّم.

وقال الشَّيخ في «المغني»٣: وإن كان ما يَستقِرُّ٤ في البِركة لا يخرج منها، فالأولى أنَّه يَمْلِكه بذلك على ما سنذكره في مياه الأمطار.

ثمَّ قال: فأمَّا المصانع المتَّخَذة لمياه الأمطار تجتمع فيها ونحوها من البِرَكِ وغيرها، فالأولى أن يُمْلك ماؤها، ويصحُّ بيعه إذا كان معلومًا؛ لأنَّه مباحٌ حصَّله في شيءٍ مُعَدٍّ له، فلا يجوز أخذ شيءٍ منه إلا بإذن مالكه.

وفي هذا نظرٌ مذهبًا ودليلًا:

أمَّا المذهب فإنَّ أحمد قال: إنَّما نُهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في

  1. (١) بعدها في المطبوع: «لعنهم الله». وليست في النسخ.
  2. (٢) م، ز: «أحد».
  3. (٣) (٦/ ١٤٨).
  4. (٤) في المطبوع: «ماء يسير». وفي النسخ: «ما يستر». والمثبت من «المغني».
495

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي