قراره، ومعلومٌ أنَّ ماء البئر لا يفارقها، فهو كالبِركة الَّتي اتُّخِذت مَقرًّا للبئر سواءٌ، ولا فرقَ بينهما، وقد تقدَّم من نصوص أحمد ما يدلُّ على المنع من بيع هذا.
وأمَّا الدَّليل فما تقدَّم من النُّصوص الَّتي سُقناها، وقوله في الحديث الذي رواه البخاريُّ١ في وعيد الثَّلاثة: «ورجلٌ على فَضْلِ ماءٍ يَمنعُه ابنَ السَّبيل»، ولم يفرِّق بين كون ذلك الفضل في أرضه المختصَّة به أو في الأرض المباحة. وقوله: «النَّاس شركاء في ثلاثٍ»٢، ولم يشترط في هذه الشَّركة كون مقرِّه مشتركًا. وقوله وقد سئل: ما الشَّيء الذي لا يحلُّ منعه؟ فقال: «الماء»٣، ولم يشترط كون مقرِّه مباحًا. فهذا مقتضى الدَّليل في هذه المسألة أثرًا ونظرًا، والله أعلم.
حكم رسول الله ﷺ في منع الرجل من بيع ما ليس عنده
في «السُّنن» و«المسند»٤ من حديث حكيم بن حِزامٍ قال: قلت يا
(٤) أخرجه أحمد (١٥٣١١) والترمذي (١٢٣٢) والنسائي (٤٦١٣) وأبو داود (٣٥٠٣) وابن ماجه (٢١٨٧) كلهم من طريق يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام به، ويوسف لم يسمع من حكيم، وقد ورد متصلًا من طريق أخرى عند أحمد في «المسند» (١٥٣١٦) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٥/ ٣١٣) عن يحيى بن أبي كثير عن يعلى بن حكيم عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام به، وقال الترمذي: «حديث حسن»، وقال البيهقي: «هذا إسناد حسن متصل».
رسول اللَّه، يأتيني الرَّجل يسألني البيعَ ليس عندي، فأبيعه منه، ثمَّ أبتاعه من السُّوق، فقال: «لا تَبِعْ ما ليس عندك». قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ.
وفي «السُّنن»١ نحوه من حديث ابن عمرو لفظُه: «لا يحلُّ سَلَفٌ وبيعٌ، ولا شرطانِ في بيعٍ، ولا رِبْحُ ما لم يُضْمَنْ، ولا بيعُ ما ليس عندك». قال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فاتَّفق لفظ الحديثين على نهيه ﷺ عن بيع ما ليس عنده، فهذا هو المحفوظ من لفظه ﷺ، وهو يتضمَّن نوعًا من الغَرَر، فإنَّه إذا باعه شيئًا معيَّنًا وليس في مِلْكه، ثمَّ مضى٢ ليشتريه ويُسلِّمه له، كان متردِّدًا بين الحصول وعدمه، فكان غَررًا يُشبِه القمار، فنُهِي عنه.
وقد ظنَّ بعض النَّاس أنَّه إنَّما نُهِي عنه لكونه معدومًا، فقال: لا يصحُّ بيع المعدوم، ورَوَوا في ذلك حديثًا أنَّه ﷺ نهى عن بيع المعدوم٣. وهذا الحديث لا يُعرف في شيءٍ من كتب الحديث، ولا له أصلٌ، والظَّاهر أنَّه مرويٌّ بالمعنى من هذا الحديث، وغَلِطَ من ظنَّ أنَّ معناهما واحدٌ، وأنَّ هذا المنهيَّ عنه في حديث حَكيم وابن عمرو لا يلزم أن يكون معدومًا، وإن كان فهو معدومٌ خاصٌّ، فهو كبيع حبل الحبلة، وهو معدومٌ يتضمَّن غررًا وتردُّدًا في حصوله.
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٠٤) والترمذي (١٢٣٤) والنسائي (٤٦٣١) وابن ماجه (٢١٨٨) وأحمد (٦٦٧١) والحاكم (٢/ ٢١)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
(٢) د، ز: «يمضي».
(٣) لم أقف عليه بهذا اللفظ، والظاهر أنه كما قال المصنف.