زاد المعاد

السَّواء»١، فهذا قد فهم منه بعضُهم أنه كان يركع بقدر قيامه، ويسجد بقدره، ويعتدل كذلك.

وفي هذا الفهم شيء، لأنه ﷺ كان يقرأ في الصبح بالمائة آية ونحوها، وقد تقدَّم أنه قرأ في المغرب بـ (الأعراف) و(الطور) و(المرسلات)، ومعلوم أن ركوعه وسجوده لم يكن بقدر هذه القراءة. ويدل عليه حديث أنس الذي رواه أهل «السنن»٢ أنه قال: ما صلَّيتُ وراء أحد بعد رسول الله ﷺ أشبهَ صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الفتى. يعني: عمر بن عبد العزيز. قال: فحزَرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات. هذا مع قول أنس٣: إنه كان يؤمُّهم بـ (الصافات). فمراد البراء ــ والله أعلم ــ أن صلاته ﷺ كانت معتدلةً، فكان إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود، وإذا خفَّف القيام خفَّف الركوع والسجود. وتارةً يجعل الركوع والسجود بقدر القيام، ولكن كان يفعل ذلك أحيانًا في صلاة الليل وحده، وفعَله أيضًا قريبًا من ذلك في صلاة الكسوف. وهديهُ الغالب ﷺ تعديل الصلاة وتناسبها.

وكان يقول أيضًا في ركوعه: «سُبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ الملائكة والروح»٤،

  1. (١) أخرجه البخاري (٧٩٢) ومسلم (٤٧١).
  2. (٢) أبو داود (٨٨٨) والنسائي في «المجتبى» (١١٣٥) و«الكبرى» (٧٢٥)، وأخرجه أحمد (١٢٦٦١) والبخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٣٠٨) وغيرهم. وفيه وهب بن مانوس، مجهول الحال. والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود- الأم» (١/ ٣٤٤).
  3. (٣) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوعة، وهو وهْم، والحديث لابن عمر كما سبق قريبًا.
  4. (٤) أخرجه مسلم (٤٨٧) من حديث عائشة ﵂.
246

وتارةً يقول: «اللهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ. خشَع لك سمعي وبصري ومخِّي وعظمي وعصبي»١، وهذا إنما حُفظ عنه في قيام الليل.

ثم كان يرفع رأسه بعد ذلك قائلًا: «سمع الله لمن حمده»٢، ويرفع يديه كما تقدَّم. وروى رفعَ اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحوٌ من ثلاثين نفسًا٣، واتفق على روايتها العشرة. ولم يثبت عنه خلاف ذلك البتة، بل كان ذلك هديه إلى أن فارق الدنيا. ولم يصح عنه حديث البراء٤: «ثم لا يعود»، بل هي من زيادة يزيد٥. وليس تركُ ابن مسعود الرفعَ٦ مما يقدَّم

  1. (١) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب.
  2. (٢) وهو في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعائشة ﵃.
  3. (٣) للمؤلف كتاب جليل في هذه المسألة: «رفع اليدين في الصلاة»، وقد عدّ فيه أكثر من ثلاثين نفسًا من الصحابة في بداية الكتاب (ص ٧ - ٨) وسردها كلها بأسانيدها. وقد سبق إليه البخاري إذ عدّ ١٧ نفسًا بعد ما روى عن علي بن أبي طالب في أول كتابه الحافل: «جزء رفع اليدين».
  4. (٤) أخرجه البخاري في «رفع اليدين» (ص ٨٤) وأبو داود (٧٤٩) وأبو يعلى (١٦٩٠) والدارقطني (١١٢٩). قال أبو داود عقب (٧٥٢): «هذا الحديث ليس بصحيح». وانظر: «رفع اليدين» للمؤلف (ص ٤٣ - ٥٠).
  5. (٥) زاد الفقي بعده: «بن زياد» خلافًا للطبعات السابقة، وتابعته طبعة الرسالة. والصواب أنه يزيد بن أبي زياد.
  6. (٦) أخرجه أحمد (٣٦٨١) وأبو داود (٧٤٨، ٧٥١) والترمذي (٢٥٧) والنسائي في «المجتبى» (١٠٥٨) و«الكبرى» (٧٤٩، ١١٠) والبيهقي (٢/ ٧٨) وغيرهم. قال أبو داود عقب (٧٤٨): «وليس هو بصحيح على هذا اللفظ». وانظر: «رفع اليدين» للمؤلف (ص ٥٠ - ٥٦). ونقل الترمذي عقب (٢٥٦) عن ابن المبارك أنه قال: «ولم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ لم يرفع إلا في أول مرة».
247

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي