وتارةً يقول: «اللهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ. خشَع لك سمعي وبصري ومخِّي وعظمي وعصبي»١، وهذا إنما حُفظ عنه في قيام الليل.
ثم كان يرفع رأسه بعد ذلك قائلًا: «سمع الله لمن حمده»٢، ويرفع يديه كما تقدَّم. وروى رفعَ اليدين عنه في هذه المواطن الثلاثة نحوٌ من ثلاثين نفسًا٣، واتفق على روايتها العشرة. ولم يثبت عنه خلاف ذلك البتة، بل كان ذلك هديه إلى أن فارق الدنيا. ولم يصح عنه حديث البراء٤: «ثم لا يعود»، بل هي من زيادة يزيد٥. وليس تركُ ابن مسعود الرفعَ٦ مما يقدَّم
(١) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب.
(٢) وهو في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمر وعائشة ﵃.
(٣) للمؤلف كتاب جليل في هذه المسألة: «رفع اليدين في الصلاة»، وقد عدّ فيه أكثر من ثلاثين نفسًا من الصحابة في بداية الكتاب (ص ٧ - ٨) وسردها كلها بأسانيدها. وقد سبق إليه البخاري إذ عدّ ١٧ نفسًا بعد ما روى عن علي بن أبي طالب في أول كتابه الحافل: «جزء رفع اليدين».
(٤) أخرجه البخاري في «رفع اليدين» (ص ٨٤) وأبو داود (٧٤٩) وأبو يعلى (١٦٩٠) والدارقطني (١١٢٩). قال أبو داود عقب (٧٥٢): «هذا الحديث ليس بصحيح». وانظر: «رفع اليدين» للمؤلف (ص ٤٣ - ٥٠).
(٥) زاد الفقي بعده: «بن زياد» خلافًا للطبعات السابقة، وتابعته طبعة الرسالة. والصواب أنه يزيد بن أبي زياد.
(٦) أخرجه أحمد (٣٦٨١) وأبو داود (٧٤٨، ٧٥١) والترمذي (٢٥٧) والنسائي في «المجتبى» (١٠٥٨) و«الكبرى» (٧٤٩، ١١٠) والبيهقي (٢/ ٧٨) وغيرهم. قال أبو داود عقب (٧٤٨): «وليس هو بصحيح على هذا اللفظ». وانظر: «رفع اليدين» للمؤلف (ص ٥٠ - ٥٦). ونقل الترمذي عقب (٢٥٦) عن ابن المبارك أنه قال: «ولم يثبت حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ لم يرفع إلا في أول مرة».
على هديه المعلوم. فقد تُرِك من فعل ابن مسعود في الصلاة أشياء١
ليس معارضُها مقاربًا ولا مدانيًا للرفع، فتُرِك من فعله: التطبيقُ، والافتراش في السجود، ووقوفه إمامًا بين الاثنين في وسطهما دون التقدُّم عليهما٢، وصلاته الفرضَ في البيت بأصحابه بغير أذان ولا إقامة لأجل تأخير الأمراء. وأين الأحاديث في خلاف ذلك من الأحاديث التي في الرفع كثرةً وصحَّةً وصراحةً وعملًا؟ وبالله التوفيق.
وكان دائمًا يقيم صلبه إذا رفع من الركوع، وبين السجدتين، ويقول: «لا تجزئ صلاةٌ لا يقيم الرجل فيها صلبَه في الركوع٣ والسجود». ذكره ابن خزيمة في «صحيحه»٤.
وكان إذا استوى قائمًا قال: «ربَّنا ولك الحمد»٥، وربما قال: «ربَّنا لك
(١) ج، ك: «أشياء في الصلاة» ..
(٢) في جميع النسخ: «عليهم»، وكذا «وسطهم» من قبل إلا في ق، مب، ن، فإن فيها «وسطهما».
(٤) برقم (٥٩١، ٥٩٢، ٦٦٦) من حديث أبي مسعود البدري. وأخرجه أحمد (١٧٠٧٣) وأبو داود (٨٥٥) والترمذي (٢٦٥) والنسائي في «المجتبى» (١٠٢٧، ١١١١) و«الكبرى» (٧٠٣، ١١٠١) وابن ماجه (٨٧٠). صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان (١٨٩٢، ١٨٩٣) والدارقطني في «السنن» (١٣١٥) والبيهقي (٢/ ٨٨). وأخرجه ابن خزيمة (٥٩٣، ٦٦٧) أيضًا من حديث علي بن شيبان بلفظ: «لا صلاة لمن لا يقيم صلبه ...»، وكذلك ابن أبي شيبة (٢٩٧٤) وأحمد (١٦٢٩٧) وابن ماجه (٨٧١) والبيهقي (٣/ ١٠٥)، صححه ابن خزيمة.
(٥) متفق عليه من حديث أبي هريرة وأنس وعبد الله بن عمر وعائشة ﵃.