وبيعُ ما ليس عنده من قسم القمار والميسر؛ لأنَّه قصد أن يربح على هذا لمَّا باعه ما ليس عنده، والمشتري لا يعلم أنَّه يبيعه ثمَّ يشتري من غيره، وأكثر النَّاس لو علموا ذلك لم يشتروا منه، بل يذهبون يشترون من حيث اشترى هو، وليست هذه المخاطرة مخاطرة التُّجَّار، بل مخاطرة المستعجل بالبيع قبل القدرة على التسليم، فإذا اشترى التَّاجر السِّلعة، وصارت عنده ملكًا وقبضًا، فحينئذٍ دخل في خطر التِّجارة، وباع بيع التِّجارة كما أحلَّه الله تعالى بقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾[النساء: ٢٩]. والله أعلم.
حكم رسول الله ﷺ في بيع الحصاة والغرر والملامسة والمنابذة
في «صحيح مسلم»١ عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر.
وفي «الصَّحيحين»٢ عنه: أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة. زاد مسلم٣: «أمَّا الملامسة: فأن يلمِسَ كلٌّ منهما ثوبَ صاحبه بغير تأمُّلٍ، والمنابذة: أن يَنبِذ كلُّ واحدٍ منهما ثوبَه إلى الآخر، ولم ينظر واحدٌ منهما إلى ثوب صاحبه».
وفي «الصَّحيحين»٤ عن أبي سعيد قال: نهانا رسول الله ﷺ عن بيعتين
(١) برقم (١٥١٣).
(٢) البخاري (٥٨٤) ومسلم (١٥١١).
(٣) برقم (١٥١١/ ٢).
(٤) البخاري (٥٨٢٠) ومسلم (١٥١٢).
ولبستين، نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع. والملامسة: لمسُ الرَّجل ثوبَ الآخر بيده باللَّيل أو بالنَّهار، ولا يَقْلِبه١ إلا بذلك. والمنابذة: أن يَنبِذ الرَّجل إلى الرَّجل ثوبه، وينبذ الآخر ثوبه، ويكون ذلك بيعَهما من غير نظرٍ ولا تراضٍ.
أمَّا بيع الحصاة، فهو من إضافة المصدر إلى نوعه، كبيع الخيار وبيع النَّسيئة ونحوهما، وليس من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، كبيع الميتة والدَّم. والبيوع المنهيُّ عنها ترجع إلى هذين القسمين؛ ولهذا فُسِّر بيع الحصاة بأن يقول: ارمِ هذه الحصاة، فعلى أيِّ ثوبٍ وقعت فهو لك بدرهمٍ. وفُسِّر بأنَّ يبيعه من أرضه قدرَ ما انتهت إليه رميةُ الحصاة. وفُسِّر بأن يقبض على كفٍّ من حصًا، ويقول: لي بعدد ما خرج في القبضة من الشَّيء المبيع٢، أو يبيعه سلعةً ويقبض على كفٍّ من حصًا، ويقول: لي بكلِّ حصاةٍ درهمٌ. وفُسِّر بأن يمسك أحدهما حصاةً في يده، ويقول: أيَّ وقتٍ سقطت الحصاة وجب البيع. وفُسِّر بأن يتبايعا، ويقول أحدهما: إذا نبذتُ إليك الحصاة فقد وجب البيع. وفُسِّر بأن يعترض القطيع من الغنم، فيأخذ حصاةً، ويقول: أيَّ شاةٍ أصبتُها فهي لك بكذا. وهذه الصُّور كلُّها فاسدةٌ لما تتضمَّنه من أكل المال بالباطل، ومن الغرر والخطر الذي هو شبيهٌ بالقمار.
فصل
وأمَّا بيع الغرر، فمن إضافة المصدر إلى مفعوله كبيع الملاقيح