ولبستين، نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع. والملامسة: لمسُ الرَّجل ثوبَ الآخر بيده باللَّيل أو بالنَّهار، ولا يَقْلِبه١ إلا بذلك. والمنابذة: أن يَنبِذ الرَّجل إلى الرَّجل ثوبه، وينبذ الآخر ثوبه، ويكون ذلك بيعَهما من غير نظرٍ ولا تراضٍ.
أمَّا بيع الحصاة، فهو من إضافة المصدر إلى نوعه، كبيع الخيار وبيع النَّسيئة ونحوهما، وليس من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، كبيع الميتة والدَّم. والبيوع المنهيُّ عنها ترجع إلى هذين القسمين؛ ولهذا فُسِّر بيع الحصاة بأن يقول: ارمِ هذه الحصاة، فعلى أيِّ ثوبٍ وقعت فهو لك بدرهمٍ. وفُسِّر بأنَّ يبيعه من أرضه قدرَ ما انتهت إليه رميةُ الحصاة. وفُسِّر بأن يقبض على كفٍّ من حصًا، ويقول: لي بعدد ما خرج في القبضة من الشَّيء المبيع٢، أو يبيعه سلعةً ويقبض على كفٍّ من حصًا، ويقول: لي بكلِّ حصاةٍ درهمٌ. وفُسِّر بأن يمسك أحدهما حصاةً في يده، ويقول: أيَّ وقتٍ سقطت الحصاة وجب البيع. وفُسِّر بأن يتبايعا، ويقول أحدهما: إذا نبذتُ إليك الحصاة فقد وجب البيع. وفُسِّر بأن يعترض القطيع من الغنم، فيأخذ حصاةً، ويقول: أيَّ شاةٍ أصبتُها فهي لك بكذا. وهذه الصُّور كلُّها فاسدةٌ لما تتضمَّنه من أكل المال بالباطل، ومن الغرر والخطر الذي هو شبيهٌ بالقمار.
فصل
وأمَّا بيع الغرر، فمن إضافة المصدر إلى مفعوله كبيع الملاقيح
(١) م، د، ح: «ولا يقبله»، تحريف.
(٢) ص، د، م: «الممتنع».
والمضامين. والغرر: هو المبيع نفسه، وهو فَعَلٌ بمعنى مفعولٍ، أي مغرور به، كالقَبَض والسَّلَب بمعنى١ المقبوض والمسلوب، وهذا كبيع العبد الآبق الذي لا يقدر على تسليمه، والفرس الشَّارد، والطَّير في الهواء، وكبيع ضربة الغائص٢، وما تحمل شجرته أو ناقته، وما يرضى له به زيدٌ أو يَهَبُه له أو يُورِثه إيَّاه، ونحو ذلك ممَّا لا يُعلَم حصوله أو لا يُقدَر على تسليمه، أو لا يُعرَف حقيقته ومقداره.
ومنه بيع حبل الحبلة، كما ثبت في «الصَّحيحين»٣ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عنه، وهو نِتاج النِّتاج في أحد الأقوال، والثَّاني: أنَّه أجلٌ، فكانوا يتبايعون إليه، هكذا رواه مسلم٤، وكلاهما غررٌ، والثَّالث: أنَّه بيع حَمْل الكَرْم قبل أن يبلغ، قاله المبرِّد٥، قال: والحَبْلَة: الكرم بسكون الباء وفتحها. وأمَّا ابن عمر ففسَّره بأنَّه أجلٌ كانوا يتبايعون إليه، وإليه ذهب مالك والشَّافعيُّ، وأمَّا أبو عبيدة ففسَّره ببيع نتاج النِّتاج٦، وإليه ذهب أحمد.
(١) د، ص، ح، ز: «يعني».
(٢) في بعض النسخ: «القابض»، تحريف. وضربة الغائص: أن يقول الغائص في البحر للتاجر: أغوص غوصةً، فما أخرجتُه فهو لك بكذا.
(٣) البخاري (٢١٤٣) ومسلم (١٥١٤) من حديث ابن عمر ﵄.
(٤) برقم (١٥١٤/ ٥).
(٥) كما في «إكمال المعلم» (٥/ ١٣٣) و«المفهم» للقرطبي (٤/ ٣٦٣). ونُقِل أيضًا عن أبي الحسن ابن كيسان. وردّ عليه السهيلي في «الروض الأنف» (٤/ ٤٧) وقال: هو قول غريب لم يذهب إليه أحد في تأويل الحديث.