زاد المعاد

هذا الحائط جاز، كما يجوز أن١

يقول: ابتعتُ منك عشرةَ أوسُقٍ من هذه الصُّبرة، ولكنَّ الثَّمن٢ يتأخَّر قبضه إلى كمال صلاحه، هذا لفظه.

فصل

وأمَّا إن آجرَه الشَّاةَ أو البقرةَ أو النَّاقةَ مدَّةً معلومةً لأخْذِ لبنها في تلك المدَّة، فهذا لا يُجوِّزه الجمهور؛ واختار شيخنا جوازَه، وحكاه قولًا لبعض أهل العلم، وله فيها مصنَّفٌ مفردٌ، قال٣: إذا استأجر بقرًا أو نُوقًا أو غنمًا أيَّام اللَّبن بأجرةٍ مسمَّاةٍ وعَلَفُها على المالك، أو بأجرةٍ مسمَّاةٍ مع علفها على أن يأخذ اللَّبن= جاز ذلك في أظهر قولي العلماء كما في الظِّئر.

قال: وهذا يُشبِه البيع، ويشبه الإجارة؛ ولهذا يذكره بعض الفقهاء في البيع، وبعضهم في الإجارة. لكن إذا كان اللَّبن يحصل بعَلَف المستأجر وقيامِه على الغنم، فإنَّه يُشبِه استئجار الشَّجر. وإن كان المالك هو الذي يَعْلِفها، وإنَّما يأخذ المشتري لبنًا مقدَّرًا، فهذا بيعٌ محضٌ. وإن كان يأخذ اللَّبن مطلقًا فهو بيعٌ أيضًا، فإنَّ صاحب اللَّبن يوفِّيه اللَّبن بخلاف الظِّئر، فإنَّما٤ هي تَسقي الطِّفلَ، وليس هذا داخلًا فيما نهى عنه ﷺ من بيع الغرر؛ لأنَّ الغرر تردُّدٌ بين الوجود والعدم، فنهى عن بيعه؛ لأنَّه من جنس القمار الذي هو الميسر، والله حرَّم ذلك لما فيه من أكل المال بالباطل، وذلك من

  1. (١) «يجوز أن» ليست في ص، د ..
  2. (٢) كذا في النسخ. وفي «الفروع»: «التمر».
  3. (٣) لم يصلنا كتابه المفرد، وتكلم على هذه المسألة في «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ١٩٧ - ٢٠١، ٢٣٠).
  4. (٤) م، د، ز: «فإنها».
517

الظُّلم الذي حرَّمه الله. وهذا إنَّما يكون قِمارًا إذا كان أحد المتعاوضين يحصل له مالٌ، والآخر قد يحصل له وقد لا يحصل، فهذا الذي لا يجوز، كما في بيع العبد الآبق، والبعير الشَّارد، وبيع حبل الحبلة، فإنَّ البائع يأخذ مال المشتري، والمشتري قد يحصل له شيءٌ وقد لا يحصل، ولا يعرف قدر الحاصل. فأمَّا إذا كان شيئًا معروفًا بالعادة كمنافع الأعيان بالإجارة، مثل منفعة الأرض والدَّابَّة، ومثل لبن الظِّئر المعتاد، ولبن البهائم المعتاد، ومثل الثَّمر والزَّرع المعتاد= فهذا كلُّه من بابٍ واحدٍ، وهو جائزٌ. ثمَّ إن حصل على الوجه المعتاد، وإلَّا حُطَّ عن المستأجر بقدر ما فات من المنفعة المقصودة، وهو مثل وضع الجائحة في البيع، ومثل ما إذا تلِفَ بعض المبيع قبل التَّمكُّن من القبض في سائر البيوع.

فإن قيل: مَورد عقد الإجارة إنَّما هو المنافع لا الأعيان؛ ولهذا لا يصحُّ استئجار الطَّعام ليأكله، والماءَ ليشربه. وأمَّا إجارة الظِّئر فعلى المنفعة، وهي: وضع الطِّفل في حجْرها، وإلقامُه ثديَها، واللَّبن يدخل ضمنًا وتبعًا، فهو كنقع البئر١ في إجارة الدَّار، ويُغتفَر فيما دخل ضمنًا وتبعًا ما لا يُغتفَر في الأصول والمتبوعات.

قيل: الجواب عن هذا من وجوهٍ:

أحدها: منع كون عقد الإجارة لا يَرِدُ إلا على منفعةٍ، فإنَّ هذا ليس ثابتًا بالكتاب ولا بالسُّنَّة ولا بالإجماع، بل الثَّابت عن الصَّحابة خلافه، كما صحَّ عن عمر أنَّه قَبَّلَ٢ حديقةَ أُسيد بن حُضَيرٍ ثلاث سنين، وأخذ الأجرة فقضى

  1. (١) نَقْع البئر: الماء المجتمع فيها قبل السَّقي، أو فضل مائها.
  2. (٢) أي دفعَها للعاملين عليها بعقد.
518

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي