زاد المعاد

بها دينه١. والحديقة هي النَّخل. فهذه إجارة الشَّجر لأخْذِ ثمرها، وهو مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب ﵁، ولا يُعلَم له في الصَّحابة مخالفٌ، واختيار أبي الوفاء بن عقيلٍ من أصحاب أحمد، واختيار شيخنا قدَّس الله روحَه. فقولكم: إنَّ مَوردَ عقد الإجارة لا يكون إلا منفعةً غيرُ مسلَّمٍ، ولا ثابتٍ بالدَّليل، وغاية ما معكم قياس محلِّ النِّزاع على إجارة الخبز للأكل، والماء للشُّرب، وهذا من أفسد القياس، فإنَّ الخبز تذهب عينُه ولا يستخلف مثله، بخلاف اللَّبن ونقع البئر، فإنَّه لمَّا كان يستخلف ويحدث شيئًا فشيئًا، كان بمنزلة المنافع.

يوضِّحه الوجه الثَّاني: وهو أنَّ الثّمرة تجري مجرى المنافع والفوائد في الوقف والعارية ونحوهما، فيجوز أن يقفَ الشَّجرةَ لينتفع أهل الوقف بثمرها، كما يقِفُ الأرضَ لينتفع أهل الوقف بغلَّتها، ويجوز إعراء٢ الشَّجرة كما يجوز إفقارُ٣ الظَّهر، وعاريَة الدَّار، ومنيحة اللَّبن، وهذا كلُّه تبرُّعٌ بنماء المال وفائدته، فإنَّ من دفعَ عقاره إلى من يسكنه فهو بمنزلة من دفع دابَّته إلى من يركبها، وبمنزلة من دفع شجره إلى من يستثمرها، وبمنزلة من دفع أرضَه إلى من يزرعها، وبمنزلة من دفع شاته إلى من يشرب لبنها. فهذه الفوائد تدخل في عقود التَّبرُّع، سواءٌ كان الأصل محبَّسًا بالوقف أو غيرَ

  1. (١) سيأتي لفظه (ص ٥٢٢) وهناك تخريجه، وهناك: «سنتين» بدل «ثلاث سنين».
  2. (٢) كذا في النسخ، وهو من العرايا، أي: بيع الثمر على الشجر خرصًا بثمر على الأرض كيلًا. وفي المطبوع: «إعارة».
  3. (٣) في المطبوع: «إعارة». والمثبت من النسخ. وأفقَرَ فلانًا دابتَه: أعاره إياها. والظَّهر: الدابة التي يُركب عليها.
519

محبَّسٍ. وتدخل أيضًا في عقود المشاركات، فإنَّه إذا دفع شاةً أو بقرةً أو ناقةً إلى من يعمل عليها بجزءٍ من دَرِّها ونَسْلها صحَّ على أصحِّ الرِّوايتين عن أحمد، فكذلك تدخل في عقود الإجارات.

يوضِّحه الوجه الثَّالث: وهو أنَّ الأعيان نوعان: نوعٌ لا يستخلف شيئًا فشيئًا، بل إذا ذهب ذهب جملةً، ونوعٌ يستخلف شيئًا فشيئًا، كلَّما ذهب منه شيءٌ خَلَفَه مثلُه، فهذا رتبةٌ وسطى بين المنافع وبين الأعيان الَّتي لا تستخلف، فينبغي أن يُنظر في شَبَهِه بأيِّ النَّوعين، فيُلْحَق به، ومعلومٌ أنَّ شبَهَه بالمنافع أقوى، فإلحاقه بها أولى.

يوضِّحه الوجه الرَّابع: وهو أنَّ الله سبحانه نصَّ في كتابه على إجارة الظِّئر، وسمَّى ما تأخذه أجرًا، وليس في القرآن إجارةٌ منصوصٌ عليها في شريعتنا إلا إجارة الظِّئر بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾١ [الطلاق: ٦].

قال شيخنا: وإنَّما ظنَّ الظَّانُّ أنَّها خلاف القياس حيث توهَّم أنَّ الإجارة لا تكون إلا على منفعةٍ، وليس الأمر كذلك، بل الإجارة تكون على كلِّ ما يستوفى مع بقاء أصله، سواءٌ كان عينًا أو منفعةً، كما أنَّ هذه العين هي الَّتي تُوقَف وتُعَار فيما استوفاه الموقوف عليه والمستعير بلا عوضٍ، يستوفيه المستأجر بالعوض، فلمَّا كان لبن الظِّئر يُستوفَى مع بقاء الأصل جازت الإجارة عليه، كما جازت على المنفعة، وهذا محض القياس، فإنَّ هذه الأعيان يُحدِثها الله شيئًا بعد شيءٍ وأصلها باقٍ، كما يُحدِث الله المنافعَ شيئًا بعد شيءٍ وأصلُها باقٍ.

  1. (١) في النسخ: «فآتوهن أجورهم بالمعروف»، خطأ.
520

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي