زاد المعاد

محبَّسٍ. وتدخل أيضًا في عقود المشاركات، فإنَّه إذا دفع شاةً أو بقرةً أو ناقةً إلى من يعمل عليها بجزءٍ من دَرِّها ونَسْلها صحَّ على أصحِّ الرِّوايتين عن أحمد، فكذلك تدخل في عقود الإجارات.

يوضِّحه الوجه الثَّالث: وهو أنَّ الأعيان نوعان: نوعٌ لا يستخلف شيئًا فشيئًا، بل إذا ذهب ذهب جملةً، ونوعٌ يستخلف شيئًا فشيئًا، كلَّما ذهب منه شيءٌ خَلَفَه مثلُه، فهذا رتبةٌ وسطى بين المنافع وبين الأعيان الَّتي لا تستخلف، فينبغي أن يُنظر في شَبَهِه بأيِّ النَّوعين، فيُلْحَق به، ومعلومٌ أنَّ شبَهَه بالمنافع أقوى، فإلحاقه بها أولى.

يوضِّحه الوجه الرَّابع: وهو أنَّ الله سبحانه نصَّ في كتابه على إجارة الظِّئر، وسمَّى ما تأخذه أجرًا، وليس في القرآن إجارةٌ منصوصٌ عليها في شريعتنا إلا إجارة الظِّئر بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾١ [الطلاق: ٦].

قال شيخنا: وإنَّما ظنَّ الظَّانُّ أنَّها خلاف القياس حيث توهَّم أنَّ الإجارة لا تكون إلا على منفعةٍ، وليس الأمر كذلك، بل الإجارة تكون على كلِّ ما يستوفى مع بقاء أصله، سواءٌ كان عينًا أو منفعةً، كما أنَّ هذه العين هي الَّتي تُوقَف وتُعَار فيما استوفاه الموقوف عليه والمستعير بلا عوضٍ، يستوفيه المستأجر بالعوض، فلمَّا كان لبن الظِّئر يُستوفَى مع بقاء الأصل جازت الإجارة عليه، كما جازت على المنفعة، وهذا محض القياس، فإنَّ هذه الأعيان يُحدِثها الله شيئًا بعد شيءٍ وأصلها باقٍ، كما يُحدِث الله المنافعَ شيئًا بعد شيءٍ وأصلُها باقٍ.

  1. (١) في النسخ: «فآتوهن أجورهم بالمعروف»، خطأ.
520

يوضِّحه الوجه الخامس: أنَّ الأصل في العقود وجوب الوفاء إلا ما حرَّمه الله ورسوله، فإنَّ المسلمين على شروطهم إلا شرطًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا، فلا يحرم من الشُّروط والعقود إلا ما حرَّمه الله ورسوله، وليس مع المانعين نصٌّ بالتَّحريم البتَّةَ، وإنَّما معهم قياسٌ قد عُلِم أنَّ بين الأصل والفرع فيه من الفرق ما يمنع الإلحاق، وأنَّ القياس الذي مع من أجاز ذلك أقربُ إلى مساواة الفرع لأصله، وهذا ما لا حيلةَ فيه، وباللَّه التَّوفيق.

يوضِّحه الوجه السَّادس: وهو أنَّ الذين منعوا هذه الإجارة لمَّا رأوا إجارة الظِّئر ثابتةً بالنَّصِّ والإجماع، والمقصود بالعقد إنَّما هو اللَّبن، وهو عينٌ= تمحَّلوا١ لجوازها أمرًا يعلمون هم والمرضعة والمستأجر بطلانَه، فقالوا: العقد إنَّما وقع على وضعِها الطِّفلَ في حجْرها وإلقامِه ثدْيَها فقط، واللَّبن يدخل تبعًا. والله يعلم والعقلاء قاطبةً أنَّ الأمر ليس كذلك، وأنَّ وضع الطِّفل في حجْرها ليس مقصودًا أصلًا، ولا وردَ عليه عقد الإجارة لا عرفًا ولا حقيقةً ولا شرعًا، ولو أرضعت الطِّفلَ وهو في حجْر غيرها أو في مَهْده لاستحقَّت الأجرة، ولو كان المقصود إلقام الثَّدي المجرَّد لاستُؤجِر له كلُّ امرأةٍ لها ثديٌ، ولو لم يكن لها لبنٌ، فهذا هو القياس الفاسد حقًّا والفقه البارد، فكيف يقال: إنَّ إجارة الظِّئر على خلاف القياس، ويُدَّعى أنَّ هذا هو القياس الصَّحيح؟

الوجه السَّابع: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ندبَ إلى منيحة العَنْز٢ والشَّاة للبنها،

  1. (١) ص، د، م: «فمحلوا».
  2. (٢) د، ز: «البعير». والعنز: الأنثى من المعز.
521

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي