لبنها معلومًا لا يختلف بالعادة جاز١ بيعه أيَّامًا، وجرى حكمه بالعادة مجرى كيله ووزنه، وإن كان يختلف، فمرَّةً يزيد ومرَّةً ينقص أو ينقطع فهذا غررٌ لا يجوز، وهذا بخلاف الإجارة، فإنَّ اللَّبن يحدُث على مِلكه بعَلَفِه الدَّابَّةَ، كما يحدُث الحَبُّ على مِلكه بالسَّقي، فلا غرر٢ في ذلك، نعم إن نقصَ اللَّبن عن العادة أو انقطع، فهو بمنزلة نقصان المنفعة في الإجارة أو تعطيلها، يثبت للمستأجر حقُّ الفسخ، أو ينقص عنه من الأجرة بقدر ما نقصَ عليه من المنفعة. هذا قياس المذهب. وقال ابن عقيل وصاحب «المغني»٣: إذا اختار الإمساك لزِمه جميع الأجرة؛ لأنَّه رضي بالمنفعة ناقصةً، فلزمه جميع العوض، كما لو رضي بالمبيع معيبًا.
والصَّحيح أنَّه يسقط عنه من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة؛ لأنَّه إنَّما بذل العوض الكامل في منفعةٍ كاملةٍ سليمةٍ، فإذا لم يسلم له لم يلزمه جميع العوض.
وقولهم: إنَّه رضي بالمنفعة مَعِيبةً، فهو كما لو رضي بالمبيع مَعِيبًا، جوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّه لو رضي به معيبًا بأن يأخذ أَرْشَه، كان له ذلك على ظاهر المذهب، فرِضَاه بالعيب مع الأرش لا يُسقِط حقَّه.
(١) ص، د، م: «كان».
(٢) ص، د، ز: «فلا يجوز»، تحريف.
(٣) (٨/ ٣٢).
الثَّاني: أنه و١ إن قلنا: إنَّه لا أَرْشَ لممسكٍ له الرَّدُّ= لم يلزم سقوطُ الأَرْش في الإجارة؛ لأنَّه قد استوفى بعضَ المعقود عليه، فلم يمكنه ردُّ المنفعة كما قبضها؛ ولأنَّه قد يكون عليه ضررٌ في ردِّ باقي المنفعة، وقد لا يتمكَّن من ذلك، فلا يجد بدًّا من الإمساك، فإلزامه بجميع الأجرة مع العيب المنقص ظاهرًا٢، ومنعُه من استدراك ظُلامته إلا بالفسخ ضررٌ عليه، ولا سيَّما لمستأجرِ الزَّرع والغرس والبناء، أو مستأجرِ دابَّةٍ للسَّفر فتتعيَّب في الطَّريق. فالصَّواب أنَّه لا أرْشَ في المبيع لممسكٍ له الرَّدُّ، وأنَّه في الإجارة له الأَرْشُ.
والَّذي يُوضِّح هذا أنَّ النَّبيَّ ﷺ حكم بوضع الجوائح٣، وهي أن يسقط عن مشتري الثِّمار٤ من الثمن٥ بقدر ما أذهبت الجائحة من ثمرته، ويمسك الباقي بقسطه من الثَّمن؛ وهذا لأنَّ الثِّمار لم تستكمل صلاحها دفعةً واحدةً، ولم تجرِ العادة بأخذها جملةً واحدةً، وإنَّما تؤخذ شيئًا فشيئًا، فهي بمنزلة المنافع في الإجارة سواءٌ، والنَّبيُّ ﷺ في المصرَّاة خيَّر المشتري بين الرَّدِّ وبين الإمساك بلا أَرْشٍ٦، وفي الثِّمار جعل له الإمساك مع الأرش. والفرق ما ذكرناه، والإجارة أشبه ببيع الثِّمار، وقد ظهر اعتبار هذا الشَّبه في
(١) «أنه و» ساقطة من المطبوع.
(٢) ص، د، م: «ظاهر».
(٣) أخرجه مسلم (١٥٥٤) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.
(٤) هنا تنتهي نسخة الظاهرية التي هي الجزء الرابع من نسخة المصلى (ص).
(٥) م، ح: «الثمر»، خطأ.
(٦) أخرجه البخاري (٢١٥٠) ومسلم (١٥١٥/ ١١) من حديث أبي هريرة ﵁.