فإن قيل: فالمنافع لا توضع فيها الجائحة باتِّفاق العلماء.
قيل: ليس هذا من باب وضع الجوائح في المنافع، ومن ظنَّ ذلك فقد وهم. قال شيخنا٢: وليس هذا من باب وضع الجائحة في المبيع كما في الثَّمر المشترى، بل هو من باب تلفِ المنفعة المقصودة بالعقد أو فواتها.
وقد اتَّفق العلماء على أنَّ المنفعة في الإجارة إذا تلِفتْ قبل التَّمكُّن من استيفائها فإنَّه لا تجب الأجرة، مثل أن يستأجر حيوانًا فيموت قبل التَّمكُّن من قبضه، وهو بمنزلة أن يشتري قفيزًا من صُبرةٍ فتتلف الصُّبرة قبل القبض والتَّمييز، فإنَّه من ضمان البائع بلا نزاعٍ؛ ولهذا لو لم يتمكَّن المستأجر من ازدراع الأرض لآفةٍ حصلت لم يكن عليه الأجرة. وإن نبت الزَّرع ثمَّ حصلت آفةٌ سماويَّةٌ أتلفتْه قبل التَّمكُّن من حصاده ففيه نزاعٌ، فطائفةٌ ألحقتْه بالثَّمرة والمنفعة، وطائفةٌ فرَّقتْ. والَّذين فرَّقوا بينه وبين الثَّمرة والمنفعة قالوا: الثَّمرة هي المعقود عليها وكذلك المنفعة، وهنا الزَّرع ليس معقودًا عليه، بل المعقود عليه هو المنفعة وقد استوفاها. والذين سوَّوا بينهما قالوا: المقصود بالإجارة هو الزَّرع، فإذا حالت الآفة السَّماويَّة بينه وبين المقصود بالإجارة، كان قد تَلِفَ المقصودُ بالعقد قبل التَّمكُّن من قبضه، وإن لم يعاوض على زرعٍ، فقد عاوض على المنفعة الَّتي يتمكَّن بها المستأجر من حصول الزَّرع، فإذا حصلت الآفة السَّماويَّة المُفسِدة للزَّرع قبل التَّمكُّن من
(١) في المطبوع: «الثمن». والمثبت من النسخ.
(٢) في «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٢٣٦).
حصاده لم تَسلَم المنفعة المعقود عليها، بل تلفتْ قبل التَّمكُّن من الانتفاع، ولا فرقَ بين تعطيل منفعة الأرض في أوَّل المدَّة أو في آخرها إذا لم يتمكَّن من استيفاء شيءٍ من المنفعة، ومعلومٌ أنَّ الآفة السَّماويَّة إذا كانت بعد الزَّرع مطلقًا بحيث لا يتمكَّن من الانتفاع بالأرض مع تلك الآفة، فلا فرق بين تقدُّمها وتأخُّرها، والله أعلم.
فصل
وأمَّا بيع الصُّوف على الظَّهر، فلو صحَّ هذا الحديث بالنَّهي عنه لوجب القول به، ولم تَسَعْ مخالفته، وقد اختلفت الرِّواية فيه عن أحمد، فمرَّةً منعَه، ومرَّةً أجازه بشرط جَزِّه في الحال. ووجهُ هذا القول: أنَّه معلومٌ يمكن تسليمه، فجاز بيعه كالرطبة، وما يُقدَّر من اختلاط المبيع الموجود بالحادث على ملك البائع يزول بجزِّه في الحال، والحادث يسيرٌ جدًّا لا يمكن ضبطُه.
هذا، ولو قيل بعدم اشتراط جزِّه في الحال، ويكون كالرطبة الَّتي تؤخذ١ شيئًا فشيئًا، وإن كانت تطول في زمن أخذها= كان له وجهٌ صحيحٌ، وغايته بيع معدومٍ لم يُخلق تبعًا للموجود، فهو كأجزاء الثِّمار الَّتي لم تُخلق، فإنَّها تتبع الموجود منها، فإذا جعلا للصُّوف وقتًا معيَّنًا يؤخذ فيه كان بمنزلة أخذ الثَّمرة وقت كمالها.
يُوضِّح هذا أنَّ الذين منعوه قاسوه على أعضاء الحيوان، وقالوا: متَّصلٌ بحيوان، فلم يجز إفراده بالبيع كأعضائه. وهذا من أفسد القياس؛ لأنَّ الأعضاء لا يمكن تسليمها مع سلامة الحيوان.