وكان يضع ركبتيه قبل يديه، ثم يديه بعدهما، ثم جبهته وأنفه. هذا هو الصحيح الذي رواه شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْر: رأيتُ رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه١. ولم يرو في فعله ما يخالف ذلك٢.
وأما حديث أبي هريرة يرفعه: «إذا سجد أحدكم فلا يبرُكْ كما يبرُكُ البعير، وليضَعْ يديه قبل ركبتيه»٣، فالحديث ــ والله أعلم ــ قد وقع فيه وهمٌ
(١) أخرجه الدارمي (١٣٥٩) وأبو داود (٨٣٨) والترمذي (٢٦٨) والنسائي في «المجتبى» (١٠٨٩، ١١٥٤) و«الكبرى» (٦٨٠، ٧٤٤) وابن ماجه (٨٨٢)، ومدار الحديث على شريك بن عبد الله النخعي، فيه لين، وبه أعله البخاري والترمذي والبزار (٤٤٨٣) والنسائي (١١٥٤) والدارقطني (١٣٠٧). وقد روي عن عاصم بن كليب عن أبيه مرسلًا، أخرجه أبو داود في «السنن» (٧٣٦، ٨٣٩) و«المراسيل» (ص ٩٤) والبيهقي في «معرفة السنن» (٣/ ١٧)، قال البيهقي: وهو المحفوظ. للحديث طرق أخرى عند أبي داود (٧٣٦، ٨٣٩) والطبراني (٢٢/ ٢٧) والبيهقي (٢/ ٩٨، ٩٩) ولكنها ضعيفة. وله شاهد أيضًا من حديث أنس عند الدارقطني (١٣٠٨) والحاكم (١/ ٣٣٧) والبيهقي (٢/ ٩٩)، وفي إسناده مجهول. انظر: «التلخيص الحبير» (٢/ ٧٢٤ - ٧٢٦) و«تنقيح التحقيق» (٢/ ٢٤٩ - ٢٥٥).
(٢) كذا قال، وسيأتي من حديث ابن عمر.
(٣) سيأتي الكلام على الحديث عند المؤلف وثمَّ التخريج.
من بعض الرواة، فإن أوله يخالف آخره؛ فإنه إذا وضع١ يديه قبل ركبتيه فقد برَك كما يبرُك البعير، فإنَّ البعير إنما يضع يديه أولًا. ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا: ركبتا البعير في يديه، لا في رجليه؛ فهو إذا برَك وضع ركبتيه أولًا، فهذا هو المنهيُّ عنه، وهو فاسد لوجوه٢:
أحدها: أن البعير إذا برك فإنه يضع يديه أولًا وتبقى رجلاه قائمتين٣، وإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولًا وتبقى يداه٤ على الأرض، وهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ، وفعَل خلافَه. فكان أول ما يقع منه على الأرض الأقرب إليها فالأقرب، وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى.
فكان يضع ركبتيه أولًا، ثم يديه، ثم جبهته. وإذا رفع رفع رأسه أولًا، ثم يديه، ثم ركبتيه. وهذا عكس فعل البعير، وهو ﷺ نهى في الصلاة عن التَّشبُّه بالحيوانات، فنهى عن بروكٍ كبروك البعير، والتفاتٍ كالتفات الثعلب، وافتراشٍ كافتراش السَّبُع، وإقعاءٍ كإقعاء الكلب، ونَقْرٍ كنقر الغراب، ورفعِ الأيدي وقتَ السلام كأذناب الخيل الشُّمُس٥. فهديُ المصلِّي مخالفٌ لهدي الحيوانات.
(١) ك: «رفع»، تصحيف.
(٢) ك: «من وجوه».
(٣) ق: «قائمتان»، وكذا في الطبعة الهندية. وفي النسخ الأخرى: «تبقى رجليه قائمة»!
(٤) ما عدا ق، مب، ن: «يديه».
(٥) أما الالتفات كالتفات الثعلب والإقعاء كإقعاء الكلب، فقد وردا في حديث أبي هريرة، أخرجه أحمد (٨١٠٦)، والحديث ضعيف، وانظر: تعليق محققي «المسند» (٧٥٩٥). وأما الافتراش كافتراش السبع والنقر كنقر الغراب، فقد أخرجه أحمد (١٥٥٣) من حديث عبد الرحمن بن شبل، وهو ضعيف كذلك، وانظر: تعليق محققي «المسند» عليه. وأما رفع الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشمس، فقد أخرجه مسلم (٤٣١) من حديث جابر بن سمرة. وقد ثبت في «الصحيحين» وغيرهما النهي عن انبساط الذراعين في الصلاة كالكلب.