زاد المعاد

من بعض الرواة، فإن أوله يخالف آخره؛ فإنه إذا وضع١ يديه قبل ركبتيه فقد برَك كما يبرُك البعير، فإنَّ البعير إنما يضع يديه أولًا. ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا: ركبتا البعير في يديه، لا في رجليه؛ فهو إذا برَك وضع ركبتيه أولًا، فهذا هو المنهيُّ عنه، وهو فاسد لوجوه٢:

أحدها: أن البعير إذا برك فإنه يضع يديه أولًا وتبقى رجلاه قائمتين٣، وإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولًا وتبقى يداه٤ على الأرض، وهذا هو الذي نهى عنه النبي ﷺ، وفعَل خلافَه. فكان أول ما يقع منه على الأرض الأقرب إليها فالأقرب، وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى.

فكان يضع ركبتيه أولًا، ثم يديه، ثم جبهته. وإذا رفع رفع رأسه أولًا، ثم يديه، ثم ركبتيه. وهذا عكس فعل البعير، وهو ﷺ نهى في الصلاة عن التَّشبُّه بالحيوانات، فنهى عن بروكٍ كبروك البعير، والتفاتٍ كالتفات الثعلب، وافتراشٍ كافتراش السَّبُع، وإقعاءٍ كإقعاء الكلب، ونَقْرٍ كنقر الغراب، ورفعِ الأيدي وقتَ السلام كأذناب الخيل الشُّمُس٥. فهديُ المصلِّي مخالفٌ لهدي الحيوانات.

  1. (١) ك: «رفع»، تصحيف.
  2. (٢) ك: «من وجوه».
  3. (٣) ق: «قائمتان»، وكذا في الطبعة الهندية. وفي النسخ الأخرى: «تبقى رجليه قائمة»!
  4. (٤) ما عدا ق، مب، ن: «يديه».
  5. (٥) أما الالتفات كالتفات الثعلب والإقعاء كإقعاء الكلب، فقد وردا في حديث أبي هريرة، أخرجه أحمد (٨١٠٦)، والحديث ضعيف، وانظر: تعليق محققي «المسند» (٧٥٩٥). وأما الافتراش كافتراش السبع والنقر كنقر الغراب، فقد أخرجه أحمد (١٥٥٣) من حديث عبد الرحمن بن شبل، وهو ضعيف كذلك، وانظر: تعليق محققي «المسند» عليه. وأما رفع الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشمس، فقد أخرجه مسلم (٤٣١) من حديث جابر بن سمرة. وقد ثبت في «الصحيحين» وغيرهما النهي عن انبساط الذراعين في الصلاة كالكلب.
254

الثاني: أن قولهم: «ركبتا البعير في يديه» كلام لا يُعقَل ولا يعرفه أهل اللغة١، وإنما الرُّكبة في الرِّجلين، وإن أُطلق على اللتين في يديه اسمُ الركبة فعلى سبيل التغليب.

الثالث: أنه لو كان كما قالوه لقال: فليبرُكْ كما يبرُك البعير، فإنَّ أول ما يمسُّ الأرض من البعير يداه.

وسِرُّ المسألة أنَّ من تأمَّل بروكَ البعير وعَلِم نهيَ النبيِّ ﷺ عن بروكٍ كبروك البعير= علِمَ أنَّ حديث وائل بن حُجْر هو الصواب. والله أعلم.

وكان يقع لي أن حديث أبي هريرة مما انقلب على بعض الرواة متنه٢، ولعله: «وليضع ركبتيه قبل يديه»، كما انقلب على بعضهم حديث عائشة وابن عمر٣: «إن بلالا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابنُ أم

  1. (١) وكذا في «سفر السعادة» للفيروزابادي (ص ١٢) نقلًا من كتابنا دون إشارة. والحق أن قولهم هو المشهور عند أهل اللغة. انظر: «خلق الإنسان» للأصمعي (ص ٢٠٥ - ضمن الكنز اللغوي) و«الحيوان» للجاحظ (٢/ ٣٥٥) و«خلق الإنسان» للحسن بن أحمد (١٤٤ - ١٤٥).
  2. (٢) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «وأصله»، كأن «ولعلّه» تحرَّف في نسخة إلى «وأصله»، ثم جمعوا بين الصواب وتحريفه.
  3. (٣) هكذا في ك. وكان في ص بياض بعد لفظ «حديث» هنا وفيما يأتي، فكتب بعضهم فيما بعد هنا كما أثبت مع علامة «صح»، وفيما يأتي: «أبي هريرة». ولا بياض في ج، ق. غير أن بعضهم زاد في ج هنا «عائشة» فقط، و«أبي هريرة» فيما يأتي. وفي مب، ن: «حديث ابن عمر».
255

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي