الثاني: أن قولهم: «ركبتا البعير في يديه» كلام لا يُعقَل ولا يعرفه أهل اللغة١، وإنما الرُّكبة في الرِّجلين، وإن أُطلق على اللتين في يديه اسمُ الركبة فعلى سبيل التغليب.
الثالث: أنه لو كان كما قالوه لقال: فليبرُكْ كما يبرُك البعير، فإنَّ أول ما يمسُّ الأرض من البعير يداه.
وسِرُّ المسألة أنَّ من تأمَّل بروكَ البعير وعَلِم نهيَ النبيِّ ﷺ عن بروكٍ كبروك البعير= علِمَ أنَّ حديث وائل بن حُجْر هو الصواب. والله أعلم.
وكان يقع لي أن حديث أبي هريرة مما انقلب على بعض الرواة متنه٢، ولعله: «وليضع ركبتيه قبل يديه»، كما انقلب على بعضهم حديث عائشة وابن عمر٣: «إن بلالا يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابنُ أم
(١) وكذا في «سفر السعادة» للفيروزابادي (ص ١٢) نقلًا من كتابنا دون إشارة. والحق أن قولهم هو المشهور عند أهل اللغة. انظر: «خلق الإنسان» للأصمعي (ص ٢٠٥ - ضمن الكنز اللغوي) و«الحيوان» للجاحظ (٢/ ٣٥٥) و«خلق الإنسان» للحسن بن أحمد (١٤٤ - ١٤٥).
(٢) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «وأصله»، كأن «ولعلّه» تحرَّف في نسخة إلى «وأصله»، ثم جمعوا بين الصواب وتحريفه.
(٣) هكذا في ك. وكان في ص بياض بعد لفظ «حديث» هنا وفيما يأتي، فكتب بعضهم فيما بعد هنا كما أثبت مع علامة «صح»، وفيما يأتي: «أبي هريرة». ولا بياض في ج، ق. غير أن بعضهم زاد في ج هنا «عائشة» فقط، و«أبي هريرة» فيما يأتي. وفي مب، ن: «حديث ابن عمر».
مكتوم»١، فقال: «إنَّ٢ ابن أم مكتوم يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن بلال»٣؛ وكما انقلب على بعضهم حديث أبي هريرة: «لا يزال يلقى في النار وتقول: هل من مزيد»، إلى أن قال: «وأمَّا الجنَّة فينشئ الله لها خلقًا يُسكِنهم إياها» فقال: «وأما النار فينشئ الله لها خلقًا يسكنهم إياها»٤.
حتى رأيت أبا بكر بن أبي شيبة قد رواه كذلك، فقال ابن أبي شيبة٥: حدثنا محمد بن
(١) أخرجه البخاري (٦٢٢، ومواضع) ومسلم (١٠٩٢) من حديث عبد الله بن عمر.
(٢) «إن» ساقطة من المطبوع. وفي ك: «بأن» في موضع «فقال إن».
(٣) أخرجه أبو يعلى (٤٣٨٥) وابن خزيمة (٤٠٦) وابن حبان (٣٤٧٣) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن هشام عن عروة عن عائشة، وإسناده صحيح. وقد ذكر المؤلف القلب في هذا الحديث في «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١١٠٦)، وسيذكره مرة أخرى في هذا الكتاب أيضًا. وانظر: «أعلام الموقعين» (٣/ ٣١٧ - ٣١٨). وقد حاول الحافظ الجمع بين الروايتين والردَّ على دعوى القلب، وقد كان يميل إليه أولًا. انظر: «فتح الباري» (٢/ ١٠٢ - ١٠٣).
(٤) أما الرواية الصحيحة، فقد أخرجها من حديث أبي هريرة البخاري (٤٨٥٠) ومسلم (٢٨٤٦)، ومن حديث أنس البخاري (٧٣٨٤) ومسلم (٢٨٤٨/ ٣٩). وأما الرواية المقلوبة فقد أخرجها البخاري (٧٤٤٩) من حديث أبي هريرة .. قال الحافظ في «الفتح» (١٣/ ٤٣٦ - ٤٣٧): «قال أبو الحسن القابسي: المعروف في هذا الموضع أن الله ينشئ للجنة خلقًا، وأمّا النار فيضع فيها قدمه. قال: ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشئ للنار خلقًا إلا هذا، انتهى». والقول بأن هذا الحديث مقلوب نقله المؤلف في «أحكام أهل الذمة» (٢/ ١١٠٤ - ١١٠٦) وفي هذا الكتاب قبل بداية «فصل في هديه ﷺ في العيدين» عن شيخ الإسلام، وتكلَّم على القلب فيه في «حادي الأرواح» (٢/ ٧٥٤، ٨٠١) أيضًا.
(٥) برقم (٢٧١٧) ــ ومن طريقه أبو يعلى (٦٥٤٠) ــ، وأخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢٥٥) و«شرح المشكل» (١٨٢) والبيهقي (٢/ ١٠٠) وقال: «إلا أن عبد الله بن سعيد المقبري ضعيف، والذي يعارضه يتفرد به محمد بن عبد الله بن الحسن وعنه الدراوردي، ثم ذكر حديث أبي هريرة الآتي بلفظ: يعمد أحدكم ...». وانظر التخريج التالي.