وقد ذكره الترمذي١ مصحِّحًا له من حديث علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه في هذا الموطن أيضًا.
ثم كان يقرأ الفاتحة وحدها، ولم يثبت عنه أنه قرأ في الركعتين الآخرتين٢ بعد الفاتحة شيئًا. وقد ذهب الشافعيُّ في أحد قوليه وغيرُه إلى استحباب القراءة بما زاد على الفاتحة في الآخرتين٣، واحتجَّ لهذا القول بحديث أبي سعيد الذي في «الصحيح»٤: «حزَرنا قيام رسول الله ﷺ في الظهر في الركعتين الأوليين٥ قدر قراءة (الم تنزيل) السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك. وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك».
وحديثُ أبي قتادة٦ المتَّفقُ عليه ظاهرٌ في الاقتصار على فاتحة الكتاب في الركعتين الأخريين. قال أبو قتادة: «كان رسول الله ﷺ يصلِّي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانًا». زاد مسلم: «ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب»، والحديثان غير صريحين في محلِّ النزاع.
أما حديث أبي سعيد، فإنما هو حزرٌ منهم وتخمينٌ، ليس إخبارًا عن
(١) لم أجده عنده. وقد استفتح بإخراجه البخاري كتابَه «جزء رفع اليدين».
(٢) هكذا في النسخ إلا ق التي لم تعجم فيها الكلمة.
(٣) أهملت في ق، ك.
(٤) مسلم (٤٥٢).
(٥) في ج، ع: «الأولتين» هنا وفيما يأتي، وكذا «الآخرتين» فيهما وفي ص مكان «الأخريين».
(٦) أخرجه البخاري (٧٥٩) ومسلم (٤٥١/ ١٥٤) واللفظ له.
نفس١ فعله ﷺ. وأما حديث أبي قتادة، فيمكن أن يراد به أنه كان٢ يقتصر على الفاتحة، وأن يراد به أنه لم يكن يُخِلُّ بها في الركعتين الأخريين، بل كان يقرؤها فيهما كما كان يقرؤها في الأوليين، فكان يقرأ الفاتحة في كلِّ ركعة؛ وإن كان حديث أبي قتادة في الاقتصار أظهر، فإنه في معرض التقسيم. فإذا قال: كان يقرأ في الأوليين بالفاتحة وسورة، وفي الأخريين بالفاتحة، كان كالصريح٣ في اختصاص كلِّ قِسم بما ذُكر فيه.
وعلى هذا فيمكن أن يقال: إن هذا كان أكثر فعله، وربما قرأ في الركعتين الأخريين بشيء فوق الفاتحة كما دلَّ عليه حديث أبي سعيد. وهذا كما أنَّ هديَه ﷺ تطويلُ القراءة في الفجر وكان يخفِّفها أحيانًا، وتخفيفُ القراءة في المغرب وكان يطيلها أحيانًا، وتركُ القنوت في الفجر وكان يقنت فيها أحيانًا، والإسرارُ في الظهر والعصر بالقراءة وكان يُسمِع الصحابةَ فيها الآيةَ أحيانًا٤، وتركُ الجهر بالبسملة٥ وكان يجهر بها أحيانًا٦. والله أعلم.
(١) تحرَّف في ق، ك إلى «تفسير»، وفي النسخ المطبوعة: «تفسير نفس». وكأن بعضهم أثبت الصواب في حاشية نسخة، فظنَّه ناسخٌ لحقًا، فجمع في نسخته بين اللفظ المحرَّف وصوابه!
(٢) فعل «كان» ساقط من ك.
(٣) ق: «كالتصريح».
(٤) أخرجه البخاري (٧٦٢) ومسلم (٤٥١) من حديث أبي قتادة.
(٥) أخرجه البخاري (٧٤٣) ومسلم (٣٩٩) من حديث أنس.
(٦) أخرجه الترمذي (٢٤٥) والدارقطني (١١٦٢) والبيهقي (٢/ ٤٧)، وفيه أبو خالد الوالبي، مجهول. وقال الترمذي: «ليس إسناده بذاك». وقال ابن عدي في «الكامل» في ترجمة إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان (٢/ ١٢٠): «وهذا الحديث لا يرويه غير معتمر، وهو غير محفوظ سواء قال: عن أبي خالد أو عن عمران بن خالد. جميعًا مجهولين». وقال العقيلي في «الضعفاء» في ترجمة إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان (١/ ٢٥٧): «حديثه غير محفوظ، ويحكيه عن مجهول» ثم ساق الحديث المخرج آنفًا وقال: «ولا يصح في الجهر بها حديث مسند». وقد أطال ابن رجب في بحث هذه المسألة، انظر: «فتح الباري» له (٤/ ٢٨٦ - ٣٠٢).