وقال عبد الله بن أحمد١: حدَّثتُ أبي بحديث حسَّان بن إبراهيم عن عبد الملك الكوفي قال: سمعت العلاء قال: سمعت مكحولًا يحدِّث عن أبي أمامة وواثلة: «كان النبيُّ ﷺ إذا قام في الصلاة لم يلتفت يمينًا ولا شمالًا، ورمى ببصره في موضع سجوده»، فأنكره جدًّا، وقال: اضرب عليه.
فأحمد ﵀ أنكر هذا وهذا، وكان إنكاره للأول أشدَّ لأنه باطل سندًا ومتنًا؛ والثاني إنما أنكر سندَه، وإلا فمتنه غير منكر. والله أعلم.
ولو ثبت الأول٢ لكان حكايةَ فعلٍ، لعله كان لمصلحة تتعلَّق بالصلاة ككلامه ﷺ هو وأبو بكر وعمر وذو اليدين٣ في الصلاة لمصلحتها، أو لمصلحة المسلمين كالحديث الذي رواه أبو داود٤ عن أبي كبشة٥ السَّلُولي عن سهل ابن الحنظليَّة قال: «ثُوِّب بالصلاة ــ يعني صلاة الصبح ــ
(١) «العلل ومعرفة الرجال» (٢٧٠١)، وعنه ابن عدي في «الكامل» في ترجمة حسان بن إبراهيم الكرماني (٤/ ٤٣) والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٤٦).
(٢) «الأول» من ق.
(٣) كذا في جميع النسخ: «أبو بكر» و«ذو اليدين» بالرفع.
(٤) برقم (٩١٦). وأخرجه أيضًا مطولًا أبو داود (٢٥٠١) والنسائي في «الكبرى» (٨٨١٩) والطبراني (٦/ ٩٦) والبيهقي (٩/ ١٤٩). صححه ابن خزيمة (٤٨٧) والحاكم والألباني في «الصحيحة» (٣٧٨). وانظر: «صحيح أبي داود- الأم» (٤/ ٧٢، ٧٣).
(٥) العبارة: «غريب ولم يزد ... كبشة» ساقطة من ع.
فجعل رسولُ الله ﷺ يصلِّي وهو يلتفت إلى الشِّعب». قال أبو داود: يعني: وكان أرسل فارسًا إلى الشِّعب من الليل يحرُس. فهذا الالتفات من الاشتغال بالجهاد في الصلاة، وهو يدخل في تداخُل العبادات كصلاة الخوف.
وقريب منه قول عمر ﵁: «إني لأجهِّز جيشي وأنا في الصلاة»١، فهذا جمعٌ بين الجهاد والصلاة٢. ونظيره التفكُّر٣ في معاني القرآن واستخراجُ كنوز العلم منه في الصلاة، فهذا جمعٌ بين الصلاة والعلم. فهذا لون، والتفات الغافلين اللاهين وأفكارهم لون آخر. وبالله التوفيق.
فهديه الراتب ﷺ إطالة الركعتين الأوليين من الرُّباعيَّة على الأخريين، وإطالة الأولى من الأوليين على الثانية. ولهذا قال سعد لعمر: «أما أنا فأطيل في الأوليين، وأحذف في الأخريين، ولا آلو أن أقتدي بصلاة رسول الله ﷺ»٤.
وكذلك كان هديه ﷺ إطالة صلاة الفجر على سائر الصلوات كما تقدم. قالت عائشة: «فرض الله الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر رسول الله ﷺ زيد في صلاة الحضر إلا الفجرَ، فإنها أُقِرَّت على حالها من أجل طول القراءة، والمغربَ لأنها وتر النهار». رواه أبو حاتم ابن حبان في
(١) علقه البخاري مجزومًا به تحت (باب يفكر الرجل الشيءَ في الصلاة) قبل (١٢٢١)، وصله ابن أبي شيبة (٨٠٣٤)، وبنحوه أخرجه صالح بن الإمام أحمد في «مسائله» عن أبيه (٢/ ١٩٢).