السابع: بعد التشهُّد وقبل السلام. وبذلك أمَر في حديث أبي هريرة وحديث فَضالة بن عبيد١، وأمَر أيضًا بالدعاء في السجود.
وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبلَ القبلة أو المأمومين٢، فلم يكن ذلك من هديه أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن٣. وأما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر، فلم يفعله هو ولا أحد من خلفائه، ولا أرشد إليه أمته؛ وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضًا من السنة بعدهما. والله أعلم.
وعامَّة الأدعية المتعلِّقة بالصلاة إنما فعَلها فيها وأمرَ بها فيها. وهذا هو اللائق بحال المصلِّي، فإنه مقبل على ربِّه، يناجيه ما دام في الصلاة. فإذا سلَّم منها انقطعت تلك المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه والقرب منه. فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه؟ ولا ريب أن عكس هذا٤ الحال هو الأولى بالمصلي، إلا أن هاهنا نكتةً لطيفةً، وهي أنَّ المصلِّي إذا فرغ من صلاته وذكر الله وهلَّله وسبَّحه وحمِده وكبَّره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة، استُحِبَّ له أن
(١) أما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم (٥٨٨) وفيه أمره ﷺ بالاستعاذة من أربع. وأما حديث فضالة بن عبيد فسيأتي تخريجه.
(٢) نقله الحافظ ابن حجر في «الفتح» (١١/ ١٣٣) على هذا الوجه: «... مستقبل القبلة سواءٌ الإمامُ والمنفرد والمأموم»، وهو غريب.
(٣) ما عدا ق، ن: «حسن ولا صحيح».
(٤) ج، ق، ن: «هذه».
يصلِّي على النبي ﷺ بعد ذلك، ويدعو بما شاء. ويكون دعاؤه عقيب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة١؛
فإنَّ كلَّ من ذكر الله وحمده وأثنى عليه وصلَّى على رسوله ﷺ استُحِبَّ له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث فَضالة بن عبيد٢: «إذا صلَّى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ليصلِّ على النبيِّ ﷺ، ثم ليدعُ بعدُ ما شاء»، قال الترمذي: حديث صحيح.
فصل
ثم كان ﷺ يسلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك٣.
هذا كان فعله الرَّاتب رواه عنه خمسة عشر صحابيًّا، وهم٤:
(١) نقل ابن حجر في «الفتح» (١١/ ١٣٣ - ١٣٤) كلام المؤلف من قوله: «وأما الدعاء بعد السلام» إلى هنا، وعقَّب عليه بقوله: «وما ادَّعاه من النفي مطلقًا مردود، فقد ثبت عن معاذ ...» ونقل أحاديث في الدعاء دبر كلِّ صلاة ثم قال: «فإن قيل: المراد بدبر كلِّ صلاة قرب آخرها وهو التشهد، قلنا: قد ورد الأمر بالذكر دبر كل صلاة، والمراد به بعد السلام إجماعًا، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه». ثم قال: «وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة أن مراد ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقًا، وليس كذلك، فإن حاصل كلامه أنَّه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلِّي القبلة وإيراده بعد السلام. وأما إذا انتقل بوجهه أو قدَّم الأذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الإتيان بالدعاء حينئذ». قلت: وفي كلام الحافظ نظر.
(٢) أخرجه أحمد (٣٤٧٧) وأبو داود (١٤٨١) والترمذي (٣٤٧٧) والنسائي في «المجتبى» (١٢٨٤) و«الكبرى» (١٢٠٨) والبيهقي (٢/ ١٤٧، ١٤٨)، صححه الترمذي وابن خزيمة (٧١٠، ٧٠٩) وابن حبان (١٩٦٠) والحاكم (١/ ٢٣٠).
(٣) أخرجه مسلم (٥٨٢، ٤٨١) من حديث سعد بن أبي وقاص وجابر بن سمرة.