وكان يصلِّي حافيًا تارةً، ومنتعلًا أخرى. كذلك قال عبد الله بن عمرو عنه٢. وأمَر بالصلاة في النعل مخالفةً لليهود٣.
وكان يصلِّي في الثوب الواحد تارةً، وفي الثوبين تارةً وهو أكثر٤.
وقنَت في الفجر بعد الركوع شهرًا، ثم ترك القنوت٥. ولم يكن من هديه القنوت فيها دائمًا. ومن المحال أن رسول الله ﷺ كان في كلِّ غداة بعد اعتداله من الركوع يقول: «اللهمَّ اهدنا فيمن هديتَ، وتولَّنا فيمن تولَّيتَ» إلى آخره، ويرفع بذلك صوته، ويؤمِّن عليه الصحابة، دائمًا إلى أن فارق الدنيا؛ ثم لا يكون ذلك معلومًا عند الأمة، بل يضيِّعه أكثرُ أمته وجمهورُ أصحابه بل كلُّهم، حتى يقول من يقول منهم: إنه محدَثٌ، كما قال سعد بن طارق
(٢) أخرجه أبو داود (٦٥٣) وابن ماجه (١٠٣٨) من طريقين صحيحين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وكذلك أخرجه أحمد من طرق حسان يقوي بعضها بعضًا، انظر الحديث (٦٦٢٧) والتعليق عليه.
(٣) أخرجه أبو داود (٦٥٢) والبزار (٨/ ٤٠٥) والطبراني (٧١٦٥) والبيهقي (٤٤٣٠) من حديث شداد بن أوس. وإسناده حسن، والحديث صححه ابن حبان (٢١٨٦) والحاكم (١/ ٢٦٠) والألباني في «أصل صفة الصلاة» (١/ ١٠٩).
(٤) أما صلاته في الثوبين فمنه ما رواه أبو جحيفة في وصف النبي ﷺ وسمته، وفيه لبسه ﷺ الحلة الحمراء وصلاته فيها، أخرجه البخاري (٣٧٦) ومسلم (٥٠٣). وأما صلاته في ثوب واحد فقد رواه عمر بن أبي سلمة [البخاري (٣٥٤) ومسلم (٥١٧)] وجابر [خ (٣٦١) وم (٥١٨)] وأبو سعيد الخدري [م (٥١٩)] وغيرهم.
(٥) سيأتي تخريجه قريبًا.
الأشجعي: قلت لأبي: يا أبتِ، إنك قد صلَّيتَ خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي هاهنا وبالكوفة نحوًا من خمس سنين، فكانوا يقنتُون في الفجر؟ قال: أي بُنيَّ، مُحدَثٌ. رواه أهل «السنن» وأحمد١. وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وذكر الدارقطني٢ عن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعةٌ.
وذكر البيهقي٣ عن أبي مِجْلَز قال: صلَّيتُ مع ابن عمر صلاة الصبح، فلم يقنُت، فقلت لابن عمر: لا أراك٤ تقنت. قال: لا أحفظه عن أحد من أصحابنا.
ومن المعلوم بالضرورة أنَّ رسول الله ﷺ لو كان يقنُت كلَّ غداة ويدعو بهذا الدعاء ويؤمِّن الصحابة لكان نقلُ الأمة لذلك كنقلهم لجهره بالقراءة
(١) الترمذي (٤٠٤، ٤٠٥) والنسائي في «المجتبى» (١٠٨٠) و«الكبرى» (٦٧١) وابن ماجه (١٢٤١) وأحمد (١٥٨٧٩)، صححه الترمذي وابن حبان (١٩٨٩).
(٢) برقم (١٧٠٤)، وأخرجه من طريقه البيهقي (٢/ ٢١٣) وقال: «فإنه لا يصح، وأبو ليلى الكوفى متروك، وقد روينا عن ابن عباس أنه قنت فى صلاة الصبح». أثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (٧٠٨٦، ٧٠٨٧)، وانظر أيضًا عنده (٧٠٤٣، ٧٠٦٨).
(٣) في «السنن الكبرى» (٢/ ٢١٣). وأخرجه الطبري في «تهذيب الآثار» (٦٧٩ - مسند ابن عباس) والطبراني (١٣/ ٢٢٩)، وقال البيهقي: «نسيان بعض الصحابة أو غفلته عن بعض السنن لا يقدح فى رواية من حفظه وأثبته». وقد تعقبه التركماني واستبعد نسيانهم أو غفلتهم، وكيف وابن عمر روى عن النبي ﷺ أنه قنت، فترْك ابن عمر وغيرِه ذلك دليل على أنه ﷺ ما داوم عليه ... «الجوهر النقي».