الأشجعي: قلت لأبي: يا أبتِ، إنك قد صلَّيتَ خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي هاهنا وبالكوفة نحوًا من خمس سنين، فكانوا يقنتُون في الفجر؟ قال: أي بُنيَّ، مُحدَثٌ. رواه أهل «السنن» وأحمد١. وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وذكر الدارقطني٢ عن سعيد بن جبير قال: أشهد أني سمعت ابن عباس يقول: إن القنوت في صلاة الفجر بدعةٌ.
وذكر البيهقي٣ عن أبي مِجْلَز قال: صلَّيتُ مع ابن عمر صلاة الصبح، فلم يقنُت، فقلت لابن عمر: لا أراك٤ تقنت. قال: لا أحفظه عن أحد من أصحابنا.
ومن المعلوم بالضرورة أنَّ رسول الله ﷺ لو كان يقنُت كلَّ غداة ويدعو بهذا الدعاء ويؤمِّن الصحابة لكان نقلُ الأمة لذلك كنقلهم لجهره بالقراءة
(١) الترمذي (٤٠٤، ٤٠٥) والنسائي في «المجتبى» (١٠٨٠) و«الكبرى» (٦٧١) وابن ماجه (١٢٤١) وأحمد (١٥٨٧٩)، صححه الترمذي وابن حبان (١٩٨٩).
(٢) برقم (١٧٠٤)، وأخرجه من طريقه البيهقي (٢/ ٢١٣) وقال: «فإنه لا يصح، وأبو ليلى الكوفى متروك، وقد روينا عن ابن عباس أنه قنت فى صلاة الصبح». أثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (٧٠٨٦، ٧٠٨٧)، وانظر أيضًا عنده (٧٠٤٣، ٧٠٦٨).
(٣) في «السنن الكبرى» (٢/ ٢١٣). وأخرجه الطبري في «تهذيب الآثار» (٦٧٩ - مسند ابن عباس) والطبراني (١٣/ ٢٢٩)، وقال البيهقي: «نسيان بعض الصحابة أو غفلته عن بعض السنن لا يقدح فى رواية من حفظه وأثبته». وقد تعقبه التركماني واستبعد نسيانهم أو غفلتهم، وكيف وابن عمر روى عن النبي ﷺ أنه قنت، فترْك ابن عمر وغيرِه ذلك دليل على أنه ﷺ ما داوم عليه ... «الجوهر النقي».
(٤) ك، ع: «إني لا أراك».
فيها وعددها ووقتها. وإن جاز عليهم تضييعُ أمر القنوت فيها جاز عليهم تضييع ذلك، ولا فرق. وبهذا الطريق علِمنا أنه لم يكن هديه الجهر بالبسملة كلَّ يوم وليلة ستَّ مرَّات١ دائمًا مستمرًّا، ثم يضيِّع أكثر الأمة ذلك ويخفى عليها، هذا من أمحل المحال. بل لو كان ذلك واقعًا، لكان نقلُه كنقل عدد الصلوات، وعدد الركعات، والجهر والإخفات، وعدد السجدات، ومواضع الأركان وترتيبها. والله الموفِّق.
والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف أنه جهرَ وأسرَّ، وقنَت وتَرك، وكان إسراره أكثر من جهره، وتركه للقنوت أكثر من فعله؛ فإنه إنما قنتَ عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدِم من دعا لهم، وخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاؤوا تائبين. فكان قنوته لعارضٍ، فلما زال ترك القنوت.
ولم يكن يختصُّ بالفجر، بل كان يقنُت في صلاة الفجر والمغرب. ذكره البخاري في «صحيحه»٢ عن أنس، وقد ذكره مسلم٣ عن البراء. وذكر الإمام أحمد٤ عن ابن عباس قال: قنَت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا، في
(١) هكذا على الصواب في جميع النسخ والطبعات القديمة، وقد غيَّره الفقي غلطًا ــ وتابعته طبعة الرسالة ــ إلى «خمس مرات» دون تنبيه. وقد سبق مثله في بحث الجهر بالبسملة.
(٢) برقم (٧٩٨، ١٠٠٤).
(٣) برقم (٦٧٨).
(٤) برقم (٢٧٦٤)، وأخرجه أبو داود (١٤٤٣) والطبراني (١١/ ٣٣١) مختصرًا والبيهقي (٢/ ٢٠٠، ٢١٢). وصححه ابن خزيمة (٦١٨) والحاكم (١/ ٢٢٥)، واختاره الضياء المقدسي (١٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤).