يكتَب حديثه، كان يحدِّث بالحديث عن عبيدة، وهو عنده عن منصور»١. ومثلُ هذا لا يوجب ردَّ حديث الراوي، لأن غاية ذلك أن يكون غلِط ووهِم في ذكر عبيدة بدل منصور، ومَن الذي يسلم من هذا من المحدِّثين؟
الثالث: أن أنسًا أخبر أنهم لم يكونوا يقنتون، وأنَّ بدء القنوت هو قنوت رسول الله ﷺ يدعو على رِعْلٍ وذكوان، ففي «الصحيحين»٢ من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: بعث رسول الله ﷺ سبعين رجلًا لحاجة يقال لهم القُرَّاء، فعرض لهم حيَّان من بني سُليم: رِعْل وذكوان، عند بئر يقال لها: بئر معونة. فقال القوم: والله ما إيَّاكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجةٍ لرسول الله ﷺ، فقتلوهم. فدعا رسول الله ﷺ شهرًا في صلاة الغداة، فذلك بدءُ القنوت، وما كنَّا نقنُت٣».
فهذا يدلُّ على أنه لم يكن من هديه ﷺ القنوت دائمًا. وقولُ أنس: «فذلك بدء القنوت» مع قوله: «قنَت شهرًا، ثم تركه» دليلٌ على أنه أراد بما أثبته من القنوت قنوتَ النوازل، وهو الذي وقَّته بشهر. وهذا كما قنَت في صلاة العتَمة شهرًا كما في «الصحيحين»٤ عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلَمة،
(١) أخرجه ابن عدي في «الكامل» في ترجمة قيس بن الربيع (٨/ ٦٧٥) والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٤/ ٤٧٣)، وانظر: «تهذيب الكمال» (٢٤/ ٣٢).
(٢) البخاري (٤٠٨٨) ومسلم (٦٧٧)، ولكن ليس عند مسلم ذكر بدء القنوت.
(٣) ج، ك، ع: «كان يقنت».
(٤) البخاري (٦٣٩٣) ومسلم (٦٧٥/ ٢٩٥) من طريق يحيى بن أبي كثير به بنحوه، ولفظ البخاري أخصر، وليس عند مسلم تحديد الصلاة. واللفظ أشبه بلفظ أبي داود (١٤٤٢).
عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قنَت في صلاة العتَمة شهرًا يقول في قنوته: «اللهمَّ أَنْجِ الوليدَ بن الوليد، اللهمَّ أَنْجِ سلَمةَ بن هشام، اللهمَّ أَنْج عيَّاشَ بن أبي ربيعة، اللهمَّ أَنْجِ المستضعفين من المؤمنين. اللهمَّ اشْدُدْ وطأتَك على مُضَر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف». قال أبو هريرة: وأصبح ذاتَ يوم، فلم يدعُ لهم، فذكرت ذلك له، فقال: «أوما تراهم قد قَدِموا؟». فقنوته في الفجر كان هكذا سواءً، لأجل أمر عارض ونازلة، ولذلك وقَّته أنس بشهر. وقد روى أبو هريرة أنه قنَت لهم أيضًا في الفجر شهرًا١، وكلاهما صحيحٌ.
وقد تقدَّم٢ ذكرُ حديث عكرمة عن ابن عباس: قنَت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح. ورواه أبو داود وغيره، وهو حديثٌ صحيحٌ.
وقد ذكر الطبراني في «معجمه»٣ من حديث محمد بن أنس: حدثنا مطرِّف بن طريف، عن أبي الجهم، عن البراء أن النبيَّ ﷺ كان لا يصلِّي صلاةً مكتوبةً إلا قنَت فيها. قال الطبراني: لم يروه عن مطرِّف إلا محمد بن أنس. انتهى. وهذا الإسناد وإن كان لا تقوم٤ به حجةٌ، فالحديث صحيحٌ
(١) أخرجه مسلم (٦٧٥/ ٢٩٤).
(٢) في (ص ٣١٥).
(٣) «الأوسط» (٩٤٥٠)، وأخرجه أيضًا الدارقطني (١٦٨٧) والبيهقي (٢/ ١٩٨) وابن حزم في «المحلى» (٤/ ١٣٩، ١٤٠). ومحمد بن أنس هو القرشي، يُغرِب. وانظر: «أصل صفة الصلاة» (٣/ ٩٦٣).