زاد المعاد

عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قنَت في صلاة العتَمة شهرًا يقول في قنوته: «اللهمَّ أَنْجِ الوليدَ بن الوليد، اللهمَّ أَنْجِ سلَمةَ بن هشام، اللهمَّ أَنْج عيَّاشَ بن أبي ربيعة، اللهمَّ أَنْجِ المستضعفين من المؤمنين. اللهمَّ اشْدُدْ وطأتَك على مُضَر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف». قال أبو هريرة: وأصبح ذاتَ يوم، فلم يدعُ لهم، فذكرت ذلك له، فقال: «أوما تراهم قد قَدِموا؟». فقنوته في الفجر كان هكذا سواءً، لأجل أمر عارض ونازلة، ولذلك وقَّته أنس بشهر. وقد روى أبو هريرة أنه قنَت لهم أيضًا في الفجر شهرًا١، وكلاهما صحيحٌ.

وقد تقدَّم٢ ذكرُ حديث عكرمة عن ابن عباس: قنَت رسول الله ﷺ شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح. ورواه أبو داود وغيره، وهو حديثٌ صحيحٌ.

وقد ذكر الطبراني في «معجمه»٣ من حديث محمد بن أنس: حدثنا مطرِّف بن طريف، عن أبي الجهم، عن البراء أن النبيَّ ﷺ كان لا يصلِّي صلاةً مكتوبةً إلا قنَت فيها. قال الطبراني: لم يروه عن مطرِّف إلا محمد بن أنس. انتهى. وهذا الإسناد وإن كان لا تقوم٤ به حجةٌ، فالحديث صحيحٌ

  1. (١) أخرجه مسلم (٦٧٥/ ٢٩٤).
  2. (٢) في (ص ٣١٥).
  3. (٣) «الأوسط» (٩٤٥٠)، وأخرجه أيضًا الدارقطني (١٦٨٧) والبيهقي (٢/ ١٩٨) وابن حزم في «المحلى» (٤/ ١٣٩، ١٤٠). ومحمد بن أنس هو القرشي، يُغرِب. وانظر: «أصل صفة الصلاة» (٣/ ٩٦٣).
  4. (٤) ص، ج: «لا يقوم».
324

من جهة المعنى، لأن القنوت هو الدعاء، ومعلومٌ أن رسول الله ﷺ لم يصلِّ صلاةً مكتوبةً إلا دعا فيها كما تقدَّم. وهذا هو الذي أراده أنس في حديث أبي جعفر ــ إن صحَّ ــ أنه لم يزل يقنُت حتى فارق الدنيا؛ ونحن لا نشكُّ ولا نرتاب في١ صحة ذلك، وأنَّ دعاءه في الفجر استمرَّ إلى أن فارق الدنيا.

الوجه الرابع: أن طرق أحاديث أنس تبيِّن المراد، ويصدِّق بعضها بعضًا، ولا تتناقض. وفي «الصحيحين»٢ من حديث عاصم الأحول قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت في الصلاة، قال: نعم٣. فقلت: كان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله. قلت: فإنَّ فلانًا أخبرني عنك أنَّك قلت: قنَت بعده. قال: كذب، إنما حديثٌ قنَت رسول الله ﷺ بعد الركوع شهرًا.

وقد ظنَّ طائفةٌ أن هذا حديثٌ معلولٌ تفرَّد به عاصم، وسائر الرواة عن أنس خالفوه، فقالوا: عاصم ثقةٌ جدًّا، غير أنه خالف أصحاب أنس في موضع القنوتين، والحافظ قد يهِم، والجواد ربما يعثُر.

وحكوا عن الإمام أحمد تعليله، فقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله ــ يعني أحمد بن حنبل ــ: يقول أحدٌ في حديث أنس: إنَّ النبيَّ ﷺ قنَت قبل الركوع غير عاصم الأحول؟ فقال: ما علمتُ أحدًا يقوله غيره. قال أبو عبد الله: خالفهم عاصم كلَّهم. هشام عن قتادة عن أنس، والتَّيمي٤ عن أبي مِجْلَز

  1. (١) هنا انتهى الخرم في مب.
  2. (٢) البخاري (٤٠٩٦) ومسلم (٦٧٧).
  3. (٣) غيَّره الفقي إلى «فقال: قد كان القنوت»، وهو لفظ البخاري (١٠٠٢). وفي الأصول جميعًا والطبعات القديمة ما أثبت، وهو لفظ البخاري (٤٠٩٦).
  4. (٤) ك، ع: «التميمي»، تصحيف.
325

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي