سبحان الله! فلم يجلس، ومضى على قيامه. فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين وهو جالسٌ. فلما سلَّم قال: «إنِّي سمعتُكم آنفًا تقولون: سبحان الله، لكيما أجلس، لكن السنَّة: الذي صنعتُ».
وحديث عبد الله ابن بُحَينة أولى لثلاثة أوجه:
أحدها: أنه أصحُّ من حديث المغيرة.
الثاني: أنه أصرح منه، فإن قول المغيرة: «هكذا صنع رسول الله ﷺ» يجوز أن يرجع إلى جميع ما فعل المغيرة، ويكون قد سجد ﷺ في هذا السهو مرَّةً قبل السلام، ومرَّةً بعدُ١. فحكى ابن بُحَينة ما شاهده، وحكى المغيرة ما شاهده، ويكون كلا الأمرين جائزًا. ويجوز أن يريد به المغيرة أنه ﷺ قام ولم يرجع، ثم سجد للسهو.
الثالث: أنَّ المغيرة لعله نسي السجود قبل السلام، فسجده٢ بعده. وهذه سنَّة٣ السهو، وهذا لا يمكن أن يقال في السجود قبل السلام. والله أعلم.
فصل٤
وسلَّم من ركعتين في إحدى صلاتي العشيِّ، إما الظهر وإما العصر، ثم تكلَّم، ثم أتمَّها، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين بعد السلام والكلام، يكبِّر حين
(١) ك، ع، ن: «بعده».
(٢) ق، ك، ع: «فسجد».
(٣) في النسخ المطبوعة: «صفة»، ولعله تحريف.
(٤) لم يرد لفظ «فصل» في ص، ج.
يسجد، ثم يكبِّر حين يرفع، ثم سلَّم١.
وذكر أبو داود والترمذي٢ أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بهم، فسجد سجدتين، ثم تشهَّد، ثم سلَّم. قال الترمذي: حسنٌ غريبٌ.
(١) زاد الفقي بعده: «ثم سجد سجدتين»، وحُذف في طبعة الرسالة: «ثم سلَّم» مع زيادة الفقي؛ فلا أصاب الزائد في زيادته ولا الحاذف في حذفه. والحديث أخرجه البخاري (١٢٢٧) ومسلم (٥٧٣) من حديث أبي هريرة، واللفظ المشار إليه لمسلم (٥٧٣/ ٩٧).
(٢) برقم (٣٩٥)، وأخرجه أبو داود (١٠٣٩) وأبو عوانة (١٩٢٦) والحاكم (١/ ٣٢٣) والبيهقي (٢/ ٣٥٥) من طريق أشعث بن عبد الملك الحمراني عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين به. قال البيهقي: «تفرد به أشعث الحمراني، وقد رواه شعبة ووهيب وابن علية والثقفى وهشيم وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وغيرهم عن خالد الحذاء، لم يذكر أحد منهم ما ذكر أشعث عن محمد عنه. ورواه أيوب عن محمد، قال: أُخبِرتُ عن عمران، فذكر السلام دون التشهد. وفي رواية هشيم ذِكر التشهد قبل السجدتين، وذلك يدل على خطأ أشعث فيما رواه». وأيَّده الحافظ في «الفتح» (٣/ ٩٨) فقال: «... وضعفه البيهقي وابن عبد البر [«التمهيد» (١/ ٣٦١)] وغيرهما، ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فإن المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد. وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة أيضًا في هذه القصة: قلت لابن سيرين: فالتشهد؟ قال: لم أسمع في التشهد شيئًا. وقد تقدم في باب تشبيك الأصابع من طريق ابن عون عن ابن سيرين قال: نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم. وكذا المحفوظ عن خالد الحذاء بهذا الإسناد في حديث عمران، ليس فيه ذكر التشهد كما أخرجه مسلم؛ فصارت زيادة أشعث شاذة. ولهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبت ...». ولذا حكم عليه الألباني بالشذوذ، انظر: «الإرواء» (٤٠٣) و«ضعيف أبي داود- الأم» (١/ ٣٩٣ - ٣٩٦).