وقال داود: لا يسجد أحدٌ للسهو إلا في الخمسة المواضع١ التي سجد فيها النبي٢ﷺ. انتهى٣.
وأما الشكُّ فلم يعرض له، وإنما أمر فيه بالبناء على اليقين، وإسقاط الشكِّ، والسجود قبل السلام. فقال الإمام أحمد: الشكُّ على وجهين: اليقين، والتحرِّي. فمن رجع إلى اليقين ألغى الشكَّ، وسجد سجدتي السهو قبل السلام على حديث أبي سعيد الخدري. وإذا رجع إلى التحرِّي وهو أكثر الوهم سجد سجدتي السهو بعد السلام على حديث ابن مسعود الذي يرويه منصور. انتهى٤.
أما حديث أبي سعيد فهو: «إذا شكَّ أحدُكم في صلاته، فلم يدرِ كم صلَّى: أثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشكَّ وليَبْنِ على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلِّم». وأما حديث ابن مسعود فهو: «إذا شكَّ أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصواب، ثم ليسجد سجدتين». متفقٌ عليهما٥. وفي لفظ في
(١) ق: «خمسة المواضع».
(٢) ق، مب، ن: «رسول الله»، وكذا في مطبوعة «الاستذكار».
(٣) يعني النقل من «الاستذكار» (٤/ ٣٦٣).
(٤) يعني قول أحمد نقلًا من «الاستذكار» (٤/ ٣٦٤). وانظر رواية ابن هانئ في «مسائله» (ص ١٠٧).
(٥) أما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم (٥٧١)، وتتمته: «فإن كان صلّى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان». ولم أجده عند البخاري. وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه مسلم (٥٧٢/ ٨٩) بهذا اللفظ، وبنحوه البخاري (٦٦٧١)، وقد سلف تخريجه آنفًا.
«الصحيحين»١: «ثمَّ لْيُسَلِّمْ، ثم يسجد سجدتين». وهذا هو الذي قال الإمام أحمد: وإذا رجع إلى التحرِّي سجد بعد السلام.
والفرق عنده بين اليقين والتحرِّي: أنَّ المصلِّي إذا كان إمامًا بنى على غالب ظنِّه وأكثر٢ وهمه، وهذا هو التحرِّي، فيسجد له بعد السلام على حديث ابن مسعود. وإن كان منفردًا بنى على اليقين، وسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد. هذه طريقة أكثر أصحابه٣ في تحصيل ظاهر مذهبه. وعنه روايتان أخريان: إحداهما٤: أنه يبني على اليقين مطلقًا، وهي مذهب الشافعي ومالك. والأخرى: على غالب ظنِّه مطلقًا. وظاهر نصوصه إنما يدل٥ على الفرق بين الشك وبين الظنِّ الغالب القوي، فمع الشكِّ يبني على اليقين، ومع أكثر الوهم أو الظنِّ الغالب يتحرَّى. وعلى هذا مدار أجوبته، وعلى الحالين حمَل الحديثين٦. والله أعلم.
وقال أبو حنيفة في الشكِّ: إذا كان أول ما عرض له استأنف الصلاة. وإن عرض له كثيرًا، فإن كان له ظنٌّ غالبٌ بنى عليه، وإن لم يكن له ظنٌّ بنى على اليقين٧.