زاد المعاد

«الصحيحين»١: «ثمَّ لْيُسَلِّمْ، ثم يسجد سجدتين». وهذا هو الذي قال الإمام أحمد: وإذا رجع إلى التحرِّي سجد بعد السلام.

والفرق عنده بين اليقين والتحرِّي: أنَّ المصلِّي إذا كان إمامًا بنى على غالب ظنِّه وأكثر٢ وهمه، وهذا هو التحرِّي، فيسجد له بعد السلام على حديث ابن مسعود. وإن كان منفردًا بنى على اليقين، وسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد. هذه طريقة أكثر أصحابه٣ في تحصيل ظاهر مذهبه. وعنه روايتان أخريان: إحداهما٤: أنه يبني على اليقين مطلقًا، وهي مذهب الشافعي ومالك. والأخرى: على غالب ظنِّه مطلقًا. وظاهر نصوصه إنما يدل٥ على الفرق بين الشك وبين الظنِّ الغالب القوي، فمع الشكِّ يبني على اليقين، ومع أكثر الوهم أو الظنِّ الغالب يتحرَّى. وعلى هذا مدار أجوبته، وعلى الحالين حمَل الحديثين٦. والله أعلم.

وقال أبو حنيفة في الشكِّ: إذا كان أول ما عرض له استأنف الصلاة. وإن عرض له كثيرًا، فإن كان له ظنٌّ غالبٌ بنى عليه، وإن لم يكن له ظنٌّ بنى على اليقين٧.

  1. (١) البخاري (٤٠١)، ولم أجده عند مسلم بهذا اللفظ.
  2. (٢) ك، ع: «أكبر».
  3. (٣) ك، ع: «أصحابنا».
  4. (٤) ج، مب: «أحدهما».
  5. (٥) ما عدا ج: «تدل»، وأهمل نقطه في ق.
  6. (٦) انظر: «المغني» (٢/ ٤٠٦ - ٤٠٨).
  7. (٧) انظر: «الهداية» (١/ ٧٦).
338

فصل

ولم يكن من هديه ﷺ تغميض عينيه في الصلاة. وقد تقدَّم أنه كان في التشهُّد يرمي١ ببصره إلى إصبعه في الدعاء، ولا يجاوز ببصره إشارته.

وذكر البخاري في «صحيحه»٢ عن أنس قال: كان قِرَامٌ٣ لعائشة، سترت به جانبَ بيتها، فقال النبي ﷺ: «أميطي عنَّا قِرامَكِ هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرِض في صلاتي». ولو كان يغمِّض عينيه، لما عرضت له في صلاته. وفي الاستدلال بهذا الحديث نظرٌ، لأن الذي كان يعرض له في صلاته: هل هو تذكُّرُ٤ تلك التصاوير بعد رؤيتها، أو نفسُ رؤيتها؟ هذا محتمل٥.

وأبين دلالةً منه حديث عائشة أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى في خميصة لها أعلامٌ، فنظر إلى أعلامها نظرةً، فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْم، وَأْتُوني بأنبجَانيَّته٦، فإنها أَلْهَتْني آنفًا عن صلاتي»٧. وفي الاستدلال به أيضًا ما فيه، إذ غايته أنه حانت منه التفاتةٌ إليها، فشغلته بتلك الالتفاتة.

ولا يدل حديث التفاته إلى الشِّعْب لما أرسل الفارس إليه طليعةً، لأن

  1. (١) ما عدا ص، ج: «يومئ».
  2. (٢) برقم (٣٧٤، ٥٩٥٩).
  3. (٣) القِرام: الستر الرقيق.
  4. (٤) ك، ع: «تذكرة».
  5. (٥) كذا في جميع الأصول والطبعات القديمة. وقد زاد الفقي بعده: «وهذا محتمل».
  6. (٦) ن: «بأنبجانية أبي جهم».
  7. (٧) أخرجه البخاري (٣٧٣، ٥٨١٧) ومسلم (٥٥٦/ ٦٢).
339

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي