ذلك النظر والالتفات منه كان للحاجة، لاهتمامه بأمور الجيش.
وقد يدل على ذلك مدُّ يدِه في صلاة الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنة، وكذلك رؤيةُ١ النارِ وصاحبةِ الهرَّة فيها وصاحبِ المحجن. وكذلك حديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمُرَّ بين يديه، وردُّه الغلام والجارية، وحجزُه بين الجاريتين. وكذلك أحاديث ردِّه السلامَ بالإشارة على من سلَّم عليه وهو في الصلاة، فإنه إنما كان يشير إلى من يراه. وكذلك حديث تعرُّض الشيطان له في صلاته٢، فأخذه، فخنقه، وكان ذلك رؤية عين٣. فهذه الأحاديث وغيرها يستفاد من مجموعها العلمُ بأنه لم يكن يغمِّض عينيه في الصلاة.
وقد اختلف الفقهاء في كراهته. فكرهه الإمام أحمد وغيره، وقالوا: هو من فعل اليهود. وأباحه جماعةٌ، ولم يكرهوه، وقالوا: قد يكون أقرب إلى تحصيل الخشوع الذي هو روح الصلاة وسرُّها ومقصودها٤.
والصواب أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يُخِلُّ بالخشوع فهو أفضل. وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزَّخرفة٥ والتزويق أو غيره مما يشوِّش عليه قلبه، فهنا لا يُكرَه التغميض قطعًا، والقولُ باستحبابه في
هذا١ الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة. والله أعلم.
فصل
فيما كان رسول الله ﷺ يقوله بعد انصرافه من الصلاة، وجلوسه بعدها، وسرعة انفتاله٢ منها، وما شرعه لأمته من الأذكار والقراءة بعدها
كان إذا سلَّم استغفر ثلاثًا، وقال: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»٣.
ولم يمكث مستقبل القبلة إلا مقدار ما يقول ذلك، بل يسرع الانفتال إلى المأمومين.
وكان ينفتل عن يمينه وعن يساره. قال ابن مسعود: رأيت رسول الله ﷺ كثيرًا ينصرف عن يساره. وقال أنس: أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه. والأول في «الصحيحين»٤، والثاني في مسلم٥. وقال عبد الله بن عمرو٦: رأيت رسول الله ﷺ ينفتل عن يمينه وعن يساره في الصلاة٧.
(١) ج: «هذه».
(٢) مب: «الانتقال»، وكذا في الطبعة الميمنية وما بعدها.
(٣) أخرجه مسلم من حديث عائشة (٥٩٢) وحديث ثوبان (٥٩١).
(٤) أخرجه البخاري (٨٥٢) ومسلم (٧٠٧).
(٥) برقم (٧٠٨).
(٦) ما عدا ص، ج، مب، ن: «عمر»، وهو خطأ.
(٧) أخرجه أحمد (٦٦٧٩، ٦٩٢٨، ٧٠٢١) وابن ماجه (٩٣١) من طرق صحيحة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والحديث صحيح. وانظر: «مسند أحمد» (٦٦٢٧).