زاد المعاد

وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي١ من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «رحم الله امرأً صلَّى قبل العصر أربعًا». وقد اختلف في هذا الحديث، فصححه٢ ابن حبان، وعلَّله غيره. فقال ابن أبي حاتم٣: «سمعت أبي يقول: سألتُ أبا الوليد الطيالسي عن حديث محمد بن مسلم بن المثنَّى عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ: «رحم الله من صلَّى قبل العصر أربعًا»، فقال: دع ذا. فقلت: إن أبا داود قد رواه، فقال: قال أبو الوليد: كان ابن عمر يقول: «حفظتُ عن النبيِّ ﷺ عشرَ ركعات في اليوم والليلة»، فلو كان هذا لعدَّه. قال أبي: كان يقول: حفظت اثنتي عشرة ركعةً». وهذا ليس بعلَّة أصلًا، فإن ابن عمر إنما أخبر عمّا حفظه من فعل النبي ﷺ، لم يُخبر عن غير ذلك، فلا تنافي بين الحديثين البتة٤.

وأما الركعتان قبل المغرب، فلم ينقل عنه ﷺ أنه كان يصلِّيهما، وصحَّ

  1. (١) أحمد (٥٩٨٠) وأبو داود (١٢٧١) والترمذي (٤٣٠) وغيرهم، وحسنه الترمذي والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (٥/ ١٣ - ١٥)، وصححه ابن خزيمة (١١٩٣) وابن حبان (٢٤٥٣)، وضعفه ابن القطان «بيان الوهم» (٥/ ٧٠٢). فيه محمد بن مهران بن مسلم بن المثنى، قال أبو زرعة في «الضعفاء» (٢٠٩): واهي الحديث، وقال عمرو بن علي الفلاس: «روى عنه أبو داود الطيالسي أحاديثَ منكرة، وكذلك لم يرضَه يحيى القطان». انظر: «البدر المنير» (٤/ ٢٨٨، ٢٨٩) و«ميزان الاعتدال» (٤/ ٣٦). وقال ابن عدي في ترجمته (٩/ ٣٢٦): «ليس له من الحديث إلا اليسير، ومقدار ما له من الحديث لا يتبين صدقه من كذبه».
  2. (٢) ك، ع: «وصححه».
  3. (٣) في «علل الحديث» (٣٢٢).
  4. (٤) وبنحوه قال ابن الملقن في «البدر المنير» (٤/ ٢٨٩).
363

عنه أنه أقرَّ الصحابةَ١ عليهما. وكان يراهم يصلُّونهما، فلم يأمرهم، ولم ينههم. وفي «الصحيحين»٢ عن عبد الله المُزَني عن النبي ﷺ أنه قال: «صلُّوا قبل المغرب»، قال في الثالثة: «لمن شاء» كراهةَ أن يتخذها الناس سنَّةً. وهذا هو الصواب في هاتين الركعتين: أنهما مستحبَّتان٣ مندوبٌ إليهما، وليستا٤ بسنَّة راتبة كسائر السنن الرواتب.

وكان يصلِّي عامَّةَ السُّنن والتطوُّع الذي لا سبب له في بيته، ولا سيما سنَّة المغرب، فإنه لم يُنقل عنه فعلُها في المسجد البتَّة. قال الإمام أحمد في رواية حنبل٥: السنَّة أن يصلِّي الرجل الركعتين بعد المغرب في بيته. كذا روي عن النبي ﷺ وأصحابه. قال السائب بن يزيد٦: لقد رأيت الناس في زمن عمر بن الخطاب، إذا انصرفوا من المغرب انصرفوا جميعًا، حتى لا يبقى في المسجد أحدٌ، كأنَّه٧ لا يصلُّون بعد المغرب حتى يصيروا إلى أهليهم. انتهى كلامه.

فإن صلَّى الركعتين في المسجد، فهل يجزئ عنه، وتقع موقعها؟

  1. (١) ج، ن: «أصحابه».
  2. (٢) أخرجه البخاري (١١٨٣)، ولم أجده عند مسلم.
  3. (٣) ص، ج: «مستحبَّة».
  4. (٤) ما عدا ق، مب، ن: «وليست».
  5. (٥) هذه الرواية إلى آخرها نقلها المؤلف في «بدائع الفوائد» (٤/ ١٥٠٨ - ١٥٠٩).
  6. (٦) أخرجه الأثرم كما في «التمهيد» لابن عبد البر (١٤/ ١٧٨)، وإسناده صحيح. وأخرجه أيضًا ابن نصر في «قيام الليل» (ص ٨٠)، وفي إسناده لين.
  7. (٧) غيَّره بعضهم في ن إلى: «كأنهم».
364

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي