زاد المعاد

عنه أنه أقرَّ الصحابةَ١ عليهما. وكان يراهم يصلُّونهما، فلم يأمرهم، ولم ينههم. وفي «الصحيحين»٢ عن عبد الله المُزَني عن النبي ﷺ أنه قال: «صلُّوا قبل المغرب»، قال في الثالثة: «لمن شاء» كراهةَ أن يتخذها الناس سنَّةً. وهذا هو الصواب في هاتين الركعتين: أنهما مستحبَّتان٣ مندوبٌ إليهما، وليستا٤ بسنَّة راتبة كسائر السنن الرواتب.

وكان يصلِّي عامَّةَ السُّنن والتطوُّع الذي لا سبب له في بيته، ولا سيما سنَّة المغرب، فإنه لم يُنقل عنه فعلُها في المسجد البتَّة. قال الإمام أحمد في رواية حنبل٥: السنَّة أن يصلِّي الرجل الركعتين بعد المغرب في بيته. كذا روي عن النبي ﷺ وأصحابه. قال السائب بن يزيد٦: لقد رأيت الناس في زمن عمر بن الخطاب، إذا انصرفوا من المغرب انصرفوا جميعًا، حتى لا يبقى في المسجد أحدٌ، كأنَّه٧ لا يصلُّون بعد المغرب حتى يصيروا إلى أهليهم. انتهى كلامه.

فإن صلَّى الركعتين في المسجد، فهل يجزئ عنه، وتقع موقعها؟

  1. (١) ج، ن: «أصحابه».
  2. (٢) أخرجه البخاري (١١٨٣)، ولم أجده عند مسلم.
  3. (٣) ص، ج: «مستحبَّة».
  4. (٤) ما عدا ق، مب، ن: «وليست».
  5. (٥) هذه الرواية إلى آخرها نقلها المؤلف في «بدائع الفوائد» (٤/ ١٥٠٨ - ١٥٠٩).
  6. (٦) أخرجه الأثرم كما في «التمهيد» لابن عبد البر (١٤/ ١٧٨)، وإسناده صحيح. وأخرجه أيضًا ابن نصر في «قيام الليل» (ص ٨٠)، وفي إسناده لين.
  7. (٧) غيَّره بعضهم في ن إلى: «كأنهم».
364

اختلف قوله، فروى عنه ابنه عبد الله١ أنه قال: بلغني عن رجل سمَّاه أنه قال: لو أنَّ رجلًا صلَّى الركعتين بعد المغرب في المسجد ما أجزأه. فقال: ما أحسن ما قال هذا الرجل، وما أجود ما انتزع! قال أبو حفص: ووجُهه أمرُ النَّبيِّ ﷺ. يعني: بهذه الصلاة في البيوت.

وقال له المرُّوذي٢: من صلَّى ركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيًا؟ قال: ما أعرف هذا. قلتُ له: يُحكى عن أبي ثور أنه قال: هو عاصٍ. قال: لعله ذهب إلى قول النَّبيِّ ﷺ: «اجعلوها في بيوتكم»٣.

قال أبو حفص: ووجهُه أنه لو صلَّى الفرض في البيت وترك المسجد أجزأه، فكذلك السنَّة. انتهى كلامه. وليس هذا وجهه عند أحمد، وإنما وجهُه أنَّ السنن لا يشترط لها مكانٌ معيَّن ولا جماعة، فيجوز فعلها في البيت والمسجد. والله أعلم.

وفي سنَّة المغرب سنَّتان، إحداهما: أن لا يُفصَل بينها وبين المغرب بكلام. قال أحمد في رواية الميموني والمرُّوذي: يُستحبُّ أن لا يكون قبل الركعتين بعد المغرب إلى أن يصلِّيهما كلام. وقال الحسن بن محمد: رأيت أحمد إذا سلَّم من صلاة المغرب قام ولم يتكلَّم، ولم يركع في المسجد قبل أن يدخل الدار. قال أبو حفص: ووجهُه قول مكحول: قال رسول الله ﷺ:

  1. (١) في «مسائله» (ص ٩٧)، وبنحوه في «المسند» عقب (٢٣٦٢٨). وقد نقل المصنف رواية عبد الله بهذا اللفظ مع توجيه أبي حفص العكبري ــ دون تسميته ــ في «بدائع الفوائد» (٤/ ١٥٠٩).
  2. (٢) انظر روايته مع توجيه أبي حفص في «البدائع» (٤/ ١٥١٠) أيضًا.
  3. (٣) سيأتي تخريجه.
365

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي