ركعتين بعد الجمعة في بيته. وسيأتي الكلام على ذكر سنَّة الجمعة بعدها والصلاة قبلها عند ذكر هديه في الجمعة إن شاء الله. وهذا موافقٌ لقوله ﷺ: «أيها النَّاسُ صلُّوا في بيوتكم، فإنَّ أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»١.
وكان هديه ﷺ فعل السُّنن والتطوُّع في البيت إلا لعارض، كما أنَّ هديه كان فعل الفرائض في المسجد إلا لعارض من سفر أو مرض أو غيره مما يمنعه من المسجد.
وكان تعاهده ومحافظته على سنَّة الفجر أشدَّ من جميع النوافل. ولذلك لم يكن يدَعها هي والوتر حضرًا ولا سفرًا، وكان في السفر يواظب على سنَّة الفجر والوتر٢ دون سائر السنن٣، ولم يُنقل عنه في السفر أنه ﷺ صلَّى سنَّةً راتبةً غيرهما.
وكذلك كان ابن عمر لا يزيد على ركعتين، ويقول: سافرتُ مع رسول الله٤ﷺ وأبي بكر وعمر، فكانوا لا يزيدون في السفر على ركعتين٥. وهذا وإن احتمل أنهم لم يكونوا يربِّعون، لا أنهم٦ لم يصلُّوا السنَّة؛ لكن قد
(١) أخرجه البخاري (٧٣١، ٧٢٩٠) ومسلم (٧٨١) من حديث زيد بن ثابت ﵁.
(٢) في مب بعده زيادة: «أشدَّ من جميع النوافل» ولعلها من انتقال النظر إلى ما سبق.
(٣) أما سنة الفجر، فأخرجه مسلم من حديث أبي قتادة (٦٨١) وحديث أبي هريرة (٦٨٠/ ٣١٠) كليهما في قصة النوم عن صلاة الصبح. وأما الوتر، فأخرجه البخاري (٩٩٩) ومسلم (٥٠٢) من حديث ابن عمر.
(٤) ص: «مع النبي».
(٥) أخرجه البخاري (١١٠٢) ومسلم (٦٨٩).
(٦) مب: «إلا أنهم»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو غلط.
ثبت عن ابن عمر أنه سئل عن سنَّة الظهر في السفر فقال: لو كنت مسبِّحًا لأتممتُ١. وهذا من فقهه ﵁، فإن الله سبحانه خفَّف عن المسافر٢ من الرباعية٣ شطرها، فلو شُرع له الركعتان قبلها وبعدها كان الإتمام أولى له.
وقد اختلف الفقهاء: أيُّ الصلاتين آكد: سنَّة الفجر أو الوتر؟ على قولين: ولا يمكن الترجيح باختلاف الناس في وجوب الوتر، فقد اختلفوا أيضًا في وجوب سنَّة الفجر. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: سنَّة الفجر تجري مجرى بداية العمل، والوتر خاتمته. ولذلك كان يصلِّي سنَّة الفجر والوتر بسورتي الإخلاص٤، وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل، وتوحيد المعرفة والإرادة، وتوحيد الاعتقاد والقصد. انتهى.
فسورة (قل هو الله أحدٌ) متضمنةٌ لتوحيد الاعتقاد والمعرفة، وما يجب إثباته للرَّبِّ تعالى من الأحديَّة المنافية لمطلق الشَّرِكة٥ بوجه من الوجوه، والصَّمديَّة المثبِتة له جميعَ صفات الكمال الذي لا يلحقه نقصٌ بوجه من الوجوه، ونفي الولد والوالد الذي هو من لوازم صمديَّته٦ وغناه وأحديَّته، ونفي الكُفْء المتضمِّن لنفي التشبيه والتمثيل والنظير. فتضمَّنت السورةُّ إثباتَ كلِّ كمال له، ونفيَ كلِّ نقص عنه، ونفيَ إثبات شبيه له أو مثل في
(١) أخرجه مسلم (٦٨٩) وهو جزء الحديث السابق.
(٢) ص، ق: «على المسافر»، وفي ك، ع: «على المسافرين».
(٣) ع: «الرباعيات».
(٤) انظر نحوه دون ذكر شيخ الإسلام في «بدائع الفوائد» (١/ ٢٤٤).