زاد المعاد

كماله، ونفيَ مطلق الشريك عنه. وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الاعتقادي١ الذي يباين صاحبُه جميعَ فِرَق الضلال والشرك.

ولذلك كانت تعدِل ثلثَ القرآن، فإنَّ القرآن مداره على الخبر والإنشاء. والإنشاء ثلاثةٌ: أمرٌ، ونهيٌ، وإباحةٌ. والخبر نوعان: خبرٌ عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه، وخبرٌ عن خلقه. فأُخلِصت سورة الإخلاص للخبر عنه، وعن أسمائه، وصفاته، فعدَلت ثلثَ القرآن، وخلَّصت قارئها المؤمنَ بها من الشرك العلمي، كما خلَّصته سورة (قل ياأيها الكافرون) من الشرك العملي الإرادي القصدي. ولما كان العلم قبل العمل، وهو إمامه، وقائده وسائقه، والحاكم عليه، ومُنزِلُه منازلَه، كانت سورة (قل هو الله أحدٌ) تعدِل ثلثَ القرآن. والأحاديث بذلك تكاد تبلغ مبلغ التواتر. وسورة (قل ياأيها الكافرون) تعدِل ربعَ القرآن، والحديث بذلك في الترمذي٢ من رواية ابن عباس يرفعه: «(إذا زلزلت) تعدل نصف القرآن و(قل هو الله أحدٌ) تعدل ثلث القرآن، و(قل ياأيها الكافرون) تعدل ربع القرآن». ورواه الحاكم في «المستدرك» وقال: صحيح الإسناد.

ولما كان الشركُ العمليُّ الإراديُّ أغلبَ على النفوس لأجل متابعتها هواها، وكثيرٌ منها ترتكبه٣ مع علمها بمضرَّته وبطلانه، لما لها فيه من نيل الأغراض، وإزالتُه وقلعُه منها أصعب وأشدُّ من قلعِ الشرك العلمي وإزالته،

  1. (١) ص: «والاعتقادي».
  2. (٢) برقم (٢٨٩٤) وضعفه. وأخرجه ابن الضريس في «فضائل القرآن» (ص ١٢٦ - دار الفكر، دمشق) والحاكم (١/ ٥٦٦) والبيهقي في «شعب الإيمان» (٢٢٨٤). وقال الألباني: منكر. انظر: «الضعيفة» (١٣٤٢).
  3. (٣) ص، ج، ق، مب: «يرتكبه».
370

لأنَّ هذا يزول بالعلم والحجَّة، ولا يمكن صاحبَه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه؛ بخلاف شرك الإرادة والقصد، فإنَّ صاحبه يرتكب ما يدلُّه العلم على بطلانه وضرره، لأجل غلبة هواه، واستيلاء سلطان١ الشهوة والغضب على نفسه. فجاء من التأكيد٢ والتكرير في سورة (قل ياأيها الكافرون) المتضمِّنة لإزالة الشرك العملي، ما لم يجئ مثله في سورة (قل هو الله أحدٌ).

ولما كان القرآن شطرين: شطرًا في الدنيا وأحكامها، ومتعلِّقاتها، والأمور الواقعة فيها من أفعال المكلَّفين وغيرها؛ وشطرًا في الآخرة وما يقع فيها، وكانت سورة (إذا زلزلت) قد أُخلِصت من أولها وآخرها لهذا الشطر، فلم يذكر فيها إلا الآخرة وما يكون فيها من أحوال الأرض وسُكَّانها= كانت تعدل نصفَ القرآن، فأَحْرِ٣ بهذا الحديث أن يكون صحيحًا. والله أعلم.

ولهذا كان يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الطواف٤، لأنهما سورتا الإخلاص والتوحيد، وكان٥ يفتتِح بهما عملَ النهار، ويختمه٦ بهما

  1. (١) لفظ «سلطان» ساقط من ك، ع.
  2. (٢) ما عدا ق، مب، ن: «فجاء التوكيد».
  3. (٣) ص: «فأخبر»، تصحيف.
  4. (٤) كما ورد في حديث جابر الطويل في وصف حجته ﷺ عند مسلم (١٢١٨/ ١٤٧).
  5. (٥) ما عدا ق، مب، ن: «فكان».
  6. (٦) ما عدا ق، مب، ن: «ويختم».
371

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي