لأنَّ هذا يزول بالعلم والحجَّة، ولا يمكن صاحبَه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه؛ بخلاف شرك الإرادة والقصد، فإنَّ صاحبه يرتكب ما يدلُّه العلم على بطلانه وضرره، لأجل غلبة هواه، واستيلاء سلطان١ الشهوة والغضب على نفسه. فجاء من التأكيد٢ والتكرير في سورة (قل ياأيها الكافرون) المتضمِّنة لإزالة الشرك العملي، ما لم يجئ مثله في سورة (قل هو الله أحدٌ).
ولما كان القرآن شطرين: شطرًا في الدنيا وأحكامها، ومتعلِّقاتها، والأمور الواقعة فيها من أفعال المكلَّفين وغيرها؛ وشطرًا في الآخرة وما يقع فيها، وكانت سورة (إذا زلزلت) قد أُخلِصت من أولها وآخرها لهذا الشطر، فلم يذكر فيها إلا الآخرة وما يكون فيها من أحوال الأرض وسُكَّانها= كانت تعدل نصفَ القرآن، فأَحْرِ٣ بهذا الحديث أن يكون صحيحًا. والله أعلم.
ولهذا كان يقرأ بهاتين السورتين في ركعتي الطواف٤، لأنهما سورتا الإخلاص والتوحيد، وكان٥ يفتتِح بهما عملَ النهار، ويختمه٦ بهما
(١) لفظ «سلطان» ساقط من ك، ع.
(٢) ما عدا ق، مب، ن: «فجاء التوكيد».
(٣) ص: «فأخبر»، تصحيف.
(٤) كما ورد في حديث جابر الطويل في وصف حجته ﷺ عند مسلم (١٢١٨/ ١٤٧).
(٥) ما عدا ق، مب، ن: «فكان».
(٦) ما عدا ق، مب، ن: «ويختم».
١، ويقرأ بهما في الحجِّ الذي هو شعار التوحيد.
فصل
وكان ﷺ يضطجع بعد سنَّة الفجر على شِقِّه الأيمن. هذا الذي ثبت عنه في «الصحيحين»٢ من حديث عائشة.
وذكر الترمذي٣ من حديث أبي هريرة عنه ﷺ أنه قال: «إذا صلَّى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصُّبح، فليضطجع على جنبه الأيمن». قال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ غريبٌ. وسمعت٤ شيخ الإسلام ابن تيمية ــ قدَّس الله روحه ــ يقول: هذا باطلٌ، وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعلُ لا الأمرُ بها، وهذا انفرد به عبد الواحد بن زياد، وغلِط فيه٥. انتهى.
وذكر ابن أبي شيبة٦ عن أبي الصدِّيق الناجي أنَّ ابن عمر رأى قومًا
(١) لعله أراد حديث ابن عمر الذي رواه أحمد (٥٧٤٢) والنسائي في «المجتبى» (٩٩٢) و«الكبرى» (١٠٦٦) وغيرهما. ولفظه: «رمقت النبي ﷺ أربعًا وعشرين أو خمسًا وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب (قل يا أيها الكافرون) و(قل هو الله أحد). وقد اختلف فيه على أبي إسحاق، وقد أورده الألباني في «الصحيحة» (٣٣٢٨).
(٣) برقم (٤٢٠)، وأخرجه أحمد (٩٣٦٨) وأبو داود (١٢٦١) وابن خزيمة (١١٢٠) وابن حبان (٢٤٦٨) والبيهقي (٣/ ٤٥). في إسناده عبد الواحد بن زياد، له مناكير، وهذا منها، انظر التعليق على كلام شيخ الإسلام الآتي.
(٤) ص، ج: «فسمعت».
(٥) قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» في ترجمة عبد الواحد بن زياد (٢/ ٦٧٢): «... أحد المشاهير، احتجا به في الصحيحين، وتجنَّبا تلك المناكير التي نقمت عليه، فيحدث عن الأعمش بصيغة السماع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه ...».
(٦) برقم (٦٤٥٥)، وأخرجه البيهقي (٣/ ٤٦). وفيه زيد العمي وهو ابن الحواري، ضعيف.