الزهري أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يركع الركعتين للفجر، ثم يضطجع على شِقِّه الأيمن حتى يأتيه المؤذِّن، فيخرج معه. فذكر مالك أنَّ اضطجاعه١ قبل ركعتي الفجر، وفي حديث الجماعة أنه يضطجع بعدهما، فحكَم العلماء أنَّ مالكًا أخطأ وأصاب غيره. انتهى كلامه٢.
وقال أبو طالب: قلت لأحمد: حدثنا٣ أبو الصَّلْت، عن أبي كُدَينة، عن سهيل [بن أبي صالح عن أبيه]٤ عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه اضطجع بعد ركعتي الفجر. قال: شعبة لا يرفعه. قلت: فإن لم يضطجع، عليه شيءٌ؟ قال: لا، عائشة ترويه وابن عمر ينكره. قال الخلال: وأنبأنا المرُّوذي٥ أن أبا عبد الله قال: حديث أبي هريرة ليس بذاك. قلت: إن الأعمش يحدِّث به عن أبي صالح، عن أبي هريرة. قال: عبد الواحد وحده يحدِّث به. وقال إبراهيم بن الحارث: إن أبا عبد الله سئل عن الاضطجاع بعد ركعتي الفجر قال: ما أفعله. وإن فعله رجلٌ فحسنٌ. انتهى٦.
فلو كان حديث عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح
(١) بعده في ك، ع زيادة: «كان».
(٢) «انتهى كلامه» لم يرد في ص، ج.
(٣) ك، ع: «أنبأنا».
(٤) زيادة من «سنن النسائي الكبرى». وقد زادها الفقي في نشرته على الصواب، ولكن دون تنبيه ودون معقوفين. وكذا في طبعة الرسالة.
(٥) في النسخ المطبوعة: «المروزي»، تصحيف.
(٦) لفظ «انتهى» من ق، مب، ن. وانظر: «مسائل ابن هانئ» (ص ١٣٩) و«مسائل الكوسج» (٢/ ٦٥١).
صحيحًا عنده، لكان أدنى درجاته عنده الاستحباب. وقد يقال: إن عائشة روت هذا وهذا، فكان يفعل هذا تارةً وهذا تارةً، فليس في ذلك اختلاف١، فإنه من المباح، والله أعلم.
وفي اضطجاعه على شقِّه الأيمن سرٌّ، وهو أنَّ القلب معلَّقٌ في الجانب الأيسر، فإذا نام الرجل على الجانب الأيسر استثقل نومًا، لأنه يكون في دعة واستراحة، فيثقل نومه. فإذا نام على الشِّقِّ الأيمن، فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم، لقلق القلب، وطلب مستقَرِّه من الصدر٢، وميله إليه. ولهذا تستحبُّ الأطِبَّاءُ النومَ على الجانب الأيسر، لكمال الراحة وطيب المنام٣. وصاحبُ الشرع يستحِبُّ النوم على الجانب الأيمن، لئلا يثقل في نومه، فينامَ عن قيام الليل. فالنوم على الجانب الأيمن أنفع للقلب، وعلى الأيسر أنفع للبدن. والله أعلم.
فصل
في هديه ﷺ في قيام الليل
وقد اختلف السلف والخلف في أنه: هل كان فرضًا عليه أم لا؟ والطائفتان احتجُّوا بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾[الإسراء: ٧٩]. قالوا: فهذا صريحٌ في عدم الوجوب.
قال الآخرون: أمَره بالتهجُّد في هذه السورة، كما أمَره به في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا