زاد المعاد

إذا وضعتَ الطَّهورَ مواضعه قمتَ مغفورًا لك. فإن قمت تصلِّي كانت لك فضيلةً وأجرًا. فقال له رجلٌ: يا أبا أمامة، أرأيت إن قام يصلِّي تكون له نافلةً؟ قال: لا، إنما النافلة للنبي ﷺ. كيف تكون له نافلةً، وهو يسعى في الذنوب والخطايا؟ تكون له فضيلةً وأجرًا.

قلت: والمقصود أن النافلة في الآية، لم يُرد بها ما يجوز فعله وتركه كالمستحَبِّ والمندوب، وإنما المراد بها الزيادة في الدرجات، وهذا قدرٌ مشتركٌ بين الفرض والمستحَبِّ، فلا يكون قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ نافيًا لما دلَّ عليه الأمر من الوجوب. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة إن شاء الله عند ذكر خصائص النبي ﷺ.

ولم يكن ﷺ يدَع قيام الليل حضرًا ولا سفرًا. وكان إذا غلبه نومٌ أو وجعٌ صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعةً١. فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: في هذا دليلٌ على أن الوتر لا يُقضى لفوات محلِّه، فهو كتحيَّة المسجد وصلاة الكسوف والاستسقاء ونحوها، لأنَّ المقصود به أن يكون آخر صلاة الليل وترًا، كما أن المغرب آخر صلاة النهار. فإذا انقضى الليل وصليت الصبح، لم يقع الوتر موقعه. هذا معنى كلامه٢.

  1. (١) أخرجه مسلم (٧٤٦) من حديث عائشة ﵂.
  2. (٢) نقل المؤلف قول شيخه في «أعلام الموقعين» (٣/ ٣٣٧) أيضًا. وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٩١) و«اختيارات البعلي» (ص ٦٤).
380

وقد روى أبو داود وابن ماجه١ من حديث أبي سعيد الخدري عن النَّبيِّ ﷺ: «من نام عن الوتر أو نسيه فليصلِّ إذا أصبح أو ذكر»، ولكن لهذا الحديث عدَّة علل:

أحدها: أنَّه من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيفٌ.

الثاني: أنَّ الصحيح فيه أنه مرسلٌ عن أبيه عن النبي ﷺ، قال الترمذي: هذا أصحُّ، يعني المرسل٢.

الثالث: أنَّ ابن ماجه٣ حكى عن محمد بن يحيى بعد أن روى حديث أبي سعيد الصحيح أن النبي ﷺ قال: «أوتِرُوا قبل أن تُصْبحوا»٤، قال: هذا الحديث دليلٌ على أنَّ حديث عبد الرحمن واهٍ٥.

  1. (١) أما أبو داود (١٤٣١) فمن طريق أبي غسان محمد بن مطرف المدني عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه أيضًا الدراقطني (١٦٣٧) والحاكم (١/ ٣٠٢) والبيهقي (٢/ ٤٨٠) من هذا الطريق، وإسناده صحيح. وأما ابن ماجه فبرقم (١١٨٨)، وأخرجه أيضًا أحمد (١١٢٦٤) والترمذي (٤٦٥)، كلهم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري به، وعبد الرحمن ضعيف. والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (٥/ ١٧٥). وانظر: «الإرواء» (٢/ ١٥٣، ١٥٤).
  2. (٢) بعد أن أخرجه برقم (٤٦٦).
  3. (٣) عقب (١١٨٩).
  4. (٤) أخرجه مسلم (٧٥٤).
  5. (٥) يشكل عليه طريق أبي داود المذكور في تخريج الحديث السابق، وإسناده صحيح. ولكن ضعَّف ابن رجب إسناده في «فتح الباري» (٦/ ١٨٩) دون بيِّنة. وكذلك تعقب ابن رجب ردّ محمد بن يحيى الحديث السابق بحديث مسلم المذكور آنفًا وقال: «وليس كذلك، فإن الأمر بالإيتار قبل الصبح أمر بالمبادرة إلى أدائه في وقته، فإذا فات وخرج وقته ففي هذا الأمرُ بقضائه، فلا تنافي بينهما ...».
381

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي