وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان يصلِّي ركعتين بعد الوتر جالسًا تارةً، وتارةً يقرأ فيهما جالسًا، فإذا أراد أن يركع، قام فركع. ففي «صحيح مسلم»١ عن أبي سلمة قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ، فقالت: «كان يصلِّي ثلاث عشرة ركعةً. يصلِّي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلِّي ركعتين وهو جالسٌ، فإذا أراد أن يركع، قام، فركع. ثم يصلِّي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح».
وفي «المسند»٢ عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يصلِّي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالسٌ. قال الترمذي: روي نحو هذا عن أبي أمامة وعائشة
(١) برقم (٧٣٨).
(٢) برقم (٢٦٥٥٣)، وأخرجه الترمذي (٤٧١) وابن ماجه (١١٩٥) من طريق ميمون بن موسى المَرَئِي عن الحسن عن أمه عن أم سلمة. وميمون مدلس وقد عنعن، وقال العقيلي في «الضعفاء» (٦/ ٩) في ترجمته بعد أن ذكر هذا الحديث: «لا يتابع عليه، وغيره يرويه عن أم سلمة فعلَها». وقال أحمد في «العلل» برواية ابنه عبد الله (٣٤٥٠): «ما أرى به بأس، وكان يدلس، وكان لا يقول: حدثنا الحسن». وقال ابن عدي في «الكامل» في ترجمته (٩/ ٦٩٩): «هذا عزيز الحديث، وإذا قال حدثنا فهو صدوق، لأنه كان متهمًا في التدليس». وكذلك اختلف فيه على الحسن البصري حيث أخرج البخاري في «التاريخ الكبير» (٣/ ٤٢٢) عقب حديثنا هذا من طريقه عن سعد بن هشام عن عائشة، ورجحه؛ وبنحوه قال الدارقطني في «العلل» (١٤/ ٣١٦)، فالحديث ثابت من مسند عائشة ﵂.
وغير واحد عن النبي١ﷺ.
وفي «المسند»٢ عن أبي أمامة أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلِّي ركعتين بعد الوتر وهو جالسٌ، يقرأ فيهما بـ (إذا زلزلت) و(قل ياأيها الكافرون). وروى الدارقطني٣ نحوه من حديث أنس.
وقد أشكل هذا على كثير من الناس، وظنُّوه معارضًا لقوله ﷺ: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»٤. وأنكر مالك هاتين الركعتين. قال أحمد: لا أفعله ولا أمنع من فعله، قال: وأنكره مالك. وقالت طائفةٌ: إنما فعل هاتين الركعتين ليبيِّن جواز الصلاة بعد الوتر، وأن فعله لا يقطع التنفُّل، وحملوا٥ قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» على الاستحباب، وصلاتَه
(١) ك، ع: «رسول الله».
(٢) برقم (٢٢٢٤٦)، وأخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٣٤١) والطبراني (٨/ ٢٧٧) والبيهقي (٣/ ٣٣) من طريق عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أبي غالب عن أبي أمامة به. وأبو غالب هذا فيه لين. وانظر: تعليق محققي «المسند» (٢٢٣١٣). ويغني عنه ما سبق (ص ٣٨٧) من حديث عائشة.
(٣) برقم (١٧٠٢) من طريق قتادة عن أنس، وقال: «قال لنا أبو بكر [ابن أبي داود]: هذه سنة تفرد بها أهل البصرة وحفظها أهل الشام». وأخرجه ابن نصر في «قيام الليل» (ص ١٩٧ - المختصر) والطبراني في «مسند الشاميين» (٧٥٩) والبيهقي (٣/ ٣٣). قال أبو حاتم في «علل الحديث» (٤٤٢): «هذا من حديث قتادة منكر». وأخرجه ابن خزيمة (١١٠٥) من طريق آخر فيه عمارة بن زاذان ومؤمل بن إسماعيل، كلاهما فيه لين. ويغني عنه حديث عائشة المذكور في أول الفصل.
(٤) أخرجه البخاري (٩٩٨) ومسلم (٧٥١/ ١٥١) من حديث ابن عمر.