وفي «المسند»٢ عن أبي أمامة أنَّ رسول الله ﷺ كان يصلِّي ركعتين بعد الوتر وهو جالسٌ، يقرأ فيهما بـ (إذا زلزلت) و(قل ياأيها الكافرون). وروى الدارقطني٣ نحوه من حديث أنس.
وقد أشكل هذا على كثير من الناس، وظنُّوه معارضًا لقوله ﷺ: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا»٤. وأنكر مالك هاتين الركعتين. قال أحمد: لا أفعله ولا أمنع من فعله، قال: وأنكره مالك. وقالت طائفةٌ: إنما فعل هاتين الركعتين ليبيِّن جواز الصلاة بعد الوتر، وأن فعله لا يقطع التنفُّل، وحملوا٥ قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا» على الاستحباب، وصلاتَه
(١) ك، ع: «رسول الله».
(٢) برقم (٢٢٢٤٦)، وأخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٣٤١) والطبراني (٨/ ٢٧٧) والبيهقي (٣/ ٣٣) من طريق عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أبي غالب عن أبي أمامة به. وأبو غالب هذا فيه لين. وانظر: تعليق محققي «المسند» (٢٢٣١٣). ويغني عنه ما سبق (ص ٣٨٧) من حديث عائشة.
(٣) برقم (١٧٠٢) من طريق قتادة عن أنس، وقال: «قال لنا أبو بكر [ابن أبي داود]: هذه سنة تفرد بها أهل البصرة وحفظها أهل الشام». وأخرجه ابن نصر في «قيام الليل» (ص ١٩٧ - المختصر) والطبراني في «مسند الشاميين» (٧٥٩) والبيهقي (٣/ ٣٣). قال أبو حاتم في «علل الحديث» (٤٤٢): «هذا من حديث قتادة منكر». وأخرجه ابن خزيمة (١١٠٥) من طريق آخر فيه عمارة بن زاذان ومؤمل بن إسماعيل، كلاهما فيه لين. ويغني عنه حديث عائشة المذكور في أول الفصل.
(٤) أخرجه البخاري (٩٩٨) ومسلم (٧٥١/ ١٥١) من حديث ابن عمر.
(٥) ك، ع: «وحُمِل» مضبوطًا في ع.
الركعتين بعده على الجواز.
والصواب: أن يقال: إنَّ هاتين الركعتين١ تجري٢ مجرى السنَّة، وتكميل الوتر، فإنَّ الوتر عبادةٌ مستقلةٌ، ولا سيما إن قيل بوجوبه، فتجري الركعتان بعده مجرى سنَّة المغرب من المغرب، فإنها وتر النهار، والركعتان بعدها تكميلٌ لها، فكذلك الركعتان بعد وتر الليل٣. والله أعلم وأحكم٤.
فصل
ولم يحفظ عنه ﷺ أنه قنت في الوتر، إلا في حديث رواه ابن ماجه٥
(١) بعده في ك، ع زيادة: «بعده على الجواز»، والظاهر أن سببها انتقال النظر إلى السطر السابق.
(٢) كذا بإفراد الفعل في جميع النسخ، وفي النسخ المطبوعة: «تجريان».
(٣) تقدَّم مثل هذا التقرير في (ص ٢٩٠).
(٤) لم يرد «وأحكم» في ق، مب، ن.
(٥) برقم (١١٨٢)، وبنفس الإسناد أخرجه النسائي في «المجتبى» (١٦٩٩) و«الكبرى» (١٤٣٦، ١٠٥٠٢) وقال في «الكبرى» (١٤٣٦): «وقد روى هذا الحديث غير واحد عن زُبَيد اليامي، فلم يذكر أحد منهم فيه: ويقنت قبل الركوع». وقد أطال أبو داود في «السنن» عقب (١٤٢٧) في ذكر طرق هذا الحديث وتعليله، ثم ضعَّف هذه الروايات، واستشهد بمخالفتها رواية جماعةٍ يزيدُ عددُهم على هؤلاء دون ذكر القنوت، وكذلك علَّله بما أُثِر عن أبيٍّ (١٤٢٨، ١٤٢٩) أنه كان يقنت في النصف من رمضان، ثم استنتج قائلًا: «وهذا يدل على أن الذي ذكر في القنوت ليس بشيء، وهذان الحديثان يدلان على ضعف حديث أبيّ أن النبي ﷺ قنت في الوتر». وأيّده البيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٤٠)، وانظر: «معرفة السنن» (٤/ ٨٨، ٨٩).