وهذا هو الأفضل: الوقوف على رؤوس الآيات وإن تعلَّقت بما بعدها. وذهب بعض القُرَّاء إلى تتبُّعِ الأغراض والمقاصد والوقوفِ عند انتهائها. واتباعُ هدي رسول الله ﷺ وسنَّته أولى. وممن ذكر ذلك البيهقي في «شعب الإيمان»٢ وغيرُه، ورجَّحوا٣ الوقوف على رؤوس الآي وإن تعلَّقت بما بعدها.
وكان يرتِّل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. وقام بآية يردِّدها حتى الصباح٤.
(١) بعده في طبعة عبد اللطيف زيادة: «كانت آية آية» وكذا في طبعتي الفقي والرسالة. وقول الزهري أخرجه أبو داود (٤٠٠٠) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ــ وقال معمر: وربما ذكر ابن المسيب ــ قال: كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان يقرؤون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وأول من قرأها: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ مروان. ورجح أبو داود هذا المرسل على ما روي مسندًا من طريق الزهري عن أنس [الترمذي (٢٩٢٨) وضعفه، وكذلك أبو حاتم في «العلل» (١٧١٥)]، والزهري عن سالم عن أبيه [سعيد بن منصور (١٦٩ - التفسير)]. وانظر: «الكامل» لابن عدي (٨/ ٣٩٤، ٣٩٥) ترجمةَ عبد العزيز بن الحصين بن ترجمان .. وقد استقصى الدارقطني جميعَ طرقه في «علله» (١٣٩٠) وقال: «والمحفوظ عن الزهري أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر؛ مرسل». وانظر: «الغرائب والأفراد» (١/ ٢٤٠، ٢٧٥، ٥٢١ و٢/ ٣٥١ - الأطراف).
(٢) (٤/ ١٧٥). وقد وقع في عبارته الواردة في نسخ الكتاب خلل، فعلَّق عليه المحقق: «وفي «المنهاج» (٢/ ٢٤٦): (أما تقطيع القرآن آية آية فإنه أولى عندنا من تتبع الأغراض والمقاصد والوقوف عند انتهائها)، وهو أوضح».
(٣) مب: «ورجَّح».
(٤) تقدم تخريجه (ص ٣٩٠).
وقد اختلف الناس في الأفضل من الترتيل وقلَّة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة: أيهما أفضل؟ على قولين.
فمذهب ابن عباس وابن مسعود وغيرهما أنَّ١ الترتيل والتدبر مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها.
واحتجَّ أرباب هذا القول بأن المقصود من القرآن٢ فهمه وتدبُّره، والفقه فيه، والعمل به؛ وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه، كما قال بعض السلف: نزل القرآن لِيُعْمَل به، فاتخَذوا تلاوته عملًا٣. ولهذا كان أهل القرآن هم العالمون به العاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب. وأما من حفِظه ولم يفهمه ولم يعمل به، فليس من أهله، وإن أقام حروفه إقامةَ السهم.
(١) مب، ن: «فذهب ابن مسعود وابن عباس ﵄ وغيرهما إلى أنَّ». انظر لما روي عن ابن عباس: «مصنف عبد الرزاق» (٤١٨٧) و«مصنف ابن أبي شيبة» (٨٨١٧، ٣٠٧٨٤). وانظر لما روي عن ابن مسعود: «مصنف ابن أبي شيبة» (٨٨١٦، ٨٨١٩، ٨٨٢٥، ٣٠٧٧٨، ٣٠٧٨٢)، وسيذكر بعضها المؤلف بعد قليل.
(٢) في النسخ المطبوعة: «القراءة»، والصواب ما أثبت من النسخ. وانظر: «النشر» لابن الجزري (١/ ٢٠٩).
(٣) عزاه ابن قتيبة في «تأويل مشكل القرآن» (ص ٢٣٣) إلى الحسن البصري. وكذلك شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوي» (٢٥/ ١٧٠) والمؤلف في «مدارج السالكين» (١/ ٤٥١) و«مفتاح دار السعادة» (١/ ٥٣٧). وأخرجه الآجري في «أخلاق أهل القرآن» (ص ١٠٢) والخطيب في «اقتضاء العلم العمل» (ص ١٧٥) وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٩٢) من طرق عن عبد الصمد بن يزيد عن الفضيل بن عياض قوله. وقد ذكره المؤلف في «الداء والدواء» (ص ٣٥٧) غير منسوب كما هنا وعزي أيضًا إلى ابن مسعود.