عن المقبُري١، عن أبي هريرة قال: بعث النَّبيُّ ﷺ جيشًا فأعظموا الغنيمة، وأسرعوا الكرَّة، فقال رجل: يا رسول الله، ما رأينا بعثًا قطُّ أسرعَ كرَّةً ولا أعظمَ غنيمةً من هذا البعث. فقال: «ألا أُخبِركم بأسرعَ كرَّةً وأعظمَ غنيمةً؟ رجلٌ توضَّأ في بيته، فأحسن وضوءه، ثم عمَد إلى المسجد، فصلَّى فيه صلاة الغداة، ثم أعقب بصلاة الضحى= فقد أسرعَ الكرَّة، وأعظمَ الغنيمة».
وفي الباب أحاديث سوى هذه لكن هذه أمثلها. قال الحاكم: صحبتُ جماعةً من أئمة الحديث الحفاظ الأثبات، فوجدتهم يختارون هذا العدد ــ يعني أربع ركعات ــ ويصلُّون هذه الصلاة أربعًا لتواتر الأخبار الصحيحة فيه. وإليه أذهب وإليه أدعو اتِّباعًا للأخبار المأثورة، واقتداءً بمشايخ الحديث فيه.
قال ابن جرير الطبري٢ ــ وقد ذكر الآثار المرفوعة في صلاة الضحى واختلاف عددها ــ: وليس من هذه الأحاديث حديث يُدفَع صاحبُه، وذلك لأنَّ٣ من حكى الضُّحى أربعًا جائزٌ أن يكون رآه في حال فعله ذلك، ورآه غيرُه في حال أخرى صلَّى ركعتين، ورآه آخَر في حال أخرى صلَّاها ثمانيًا، وسمعه آخر يحُثُّ على أن يصلِّي سِتًّا، وآخر يحُثُّ على ركعتين، وآخر على
(١) ق، مب: «عن حميد بن صخر عن الأعز (أو الأغر)»، وفي م: «إسماعيل عن الأعز» وفي ن: «إسماعيل به عن الأعرج». وفي النسخ المطبوعة: «... صخر عن المقبري عن الأعرج». والصواب ما أثبت من النسخ الأخرى.
عشر، وآخر على ثنتي عشرة= فأخبر كلُّ واحد منهم عمَّا رأى وسمِع.
قال: والدليل على صحة قولنا ما روي عن زيد بن أسلم. قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول لأبي ذرٍّ: أوصِني يا عمِّ. قال: سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: «مَن صلّى الضُّحى ركعتَين لم يُكتَب من الغافلين، ومن صلّى أربعًا كُتِب من العابدين، ومَن صلّى ستًّا لم يلحقه ذلك اليومَ ذنبٌ، ومن صلّى ثمانيًا كُتِب من القانتين، ومن صلّى عشرًا بنى الله له بيتًا في الجنة»١.
وقال مجاهد٢: صلَّى رسول الله ﷺ يومًا الضُّحى ركعتين، ثم يومًا أربعًا، ثم يومًا ستًّا، ثم يومًا ثمانيًا، ثم ترك.
فأبان هذا الخبر عن صحة ما قلنا من احتمال خبر كلِّ مُخْبِر ممَّن تقدَّم قولُه٣ أن يكون إخباره بما أخبر عنه في صلاة الضُّحى على قدر ما شاهده وعاينه.
(١) وأخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٩٨٧) والبزار (٩/ ٣٣٥) من طرق عن عبد الحميد بن جعفر عن حسين بن عطاء عن زيد بن أسلم به. وحسين بن عطاء منكر الحديث. وأعلّه البخاري بأمر آخر في «التاريخ الكبير» (٢/ ٣٩٢) فقال: «وقال الشعبي عن ابن عمر: صلاة الضحى بدعة، ونعمت البدعة. وهذا أصح»، أي: لو كان ابن عمر عنده هذا الحديث لما وصف الضحى بأنها بدعة. وبنحوه أخرج أبو يعلى (المطالب العالية- ٤/ ٥٧٣) والبيهقي (٣/ ٤٨) من طريقين ضعيفين عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي ذر به.