ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه، لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضَّرب ما يعلم أنه حفِظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلِط فيه. فيغلط في هذا المقام من استدرك عليه١ إخراجَ جميع حديث ذلك الثقة٢، ومن ضعَّف جميع حديث ذلك السيئ الحفظ٣. فالأُولى: طريقة الحاكم وأمثاله، والثانية: طريقة ابن حزم وأشكاله، وطريقة مسلم هي طريقة أئمة٤ هذا الشأن. والله المستعان.
وقد صحَّ عن أبي هريرة٥ أنه سجد مع النبي ﷺ في (اقرأ باسم ربك) وفي (إذا السماء انشقت)، وهو إنما أسلم بعد مقدم النبي ﷺ المدينةَ بستِّ سنين أو سبع. فلو تعارض الحديثان من كلِّ وجه وتقاوما في الصحة لتعيَّن تقديمُ حديث أبي هريرة، لأنه مُثبِت، معه زيادةُ علم خفيت على ابن عباس؛ فكيف وحديث أبي هريرة في غاية الصحة متفق على صحته، وحديث ابن عباس فيه من الضعف ما فيه؟ والله الموفِّق٦.
(١) «عليه» ساقط من ك، ع.
(٢) «جميع» ساقط من ك، ع. والعبارة من «ما يعلم أنه ... الثقة» ساقطة من ص لانتقال النظر.
(٣) مب: «حديث سيئ الحفظ».
(٤) في ص بعده زيادة «أهل».
(٥) أخرجه مسلم (٥٧٨)، وقد تقدم قبل قليل.
(٦) ك، ع: «أعلم».
فصل
في هديه ﷺ في الجمعة وذكر خصائص يومها
ثبت في «الصحيحين»١ عن النبي ﷺ أنه قال: «نحن الآخرون٢ السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب مِن قبلنا. ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له؛ فالناسُ لنا فيه٣ تَبَع: اليهود غدًا والنصارى بعد غد».
وفي «صحيح مسلم»٤ عن أبي هريرة وحذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ: «أضلَّ الله عن الجمعة مَن كان قبلنا. وكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة. فجعل الجمعة، والسبت، والأحد. وكذلك هم تَبَع لنا يوم القيامة. نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضيُّ لهم قبل الخلائق».
وفي «المسند» و«السنن»٥ من حديث أوس بن أوس عن النبي ﷺ:
(١) البخاري (٨٧٦، ٨٩٦، ٣٤٨٦، وفي مواضع مختصرًا) ومسلم (٨٥٥) من حديث أبي هريرة.
(٢) في مب بعده زيادة: «الأولون»، وكذا في الطبعة الميمنية وما بعدها.
(٣) «فيه» من ج وحدها.
(٤) برقم (٨٥٦).
(٥) أحمد (١٦١٦٢) وأبو داود (١٠٤٧) وابن ماجه (١٠٨٥، ١٦٣٦) والنسائي في «المجتبى» (١٣٧٤) و«الكبرى» (١٦٧٨)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٥٥٥٤) والدارمي (١٦١٣) والبيهقي (٣/ ٢٤٨). والحديث صححه ابن خزيمة (١٧٣٣) وابن حبان (٩١٠) والحاكم (١/ ٢٧٨)، وانظر: «صحيح أبي داود- الأم» (٤/ ٢١٤ - ٢١٦).