فقلت: ما هذه اللُّمعة التي أرى فيها؟ قال: هذه الجمعة. قلت: وما الجمعة؟ قال: يومٌ من أيام ربك عظيمٌ، وسأخبرك بشرفه وفضله في الدنيا، وما يُرجى فيه لأهله، وأخبرك باسمه في الآخرة.
فأما شرفه وفضله في الدنيا١، فإنَّ الله ﷿ جمَع فيه أمرَ الخلق. وأما ما يرجى فيه لأهله، فإنَّ فيه ساعةً لا يوافقها عبد مسلم أو أمة مسلمة يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاهما إياه. وأما شرفه وفضله في الآخرة واسمه فإن الله ﵎ إذا صيَّر أهل الجنة إلى الجنة وأهلَ النار إلى النار جرَت عليهم هذه الأيامُ وهذه الليالي، ليس فيها ليل ولا نهار، فأعلَمَ٢ الله ﷿ مقدار ذلك وساعاته.
فإذا كان يومُ الجمعة حين يخرج أهل الجمعة إلى جمعتهم نادى أهلَ الجنة منادٍ: يا أهل الجنة، اخرجوا إلى وادي المزيد. ووادي المزيد لا يعلم سعتَه وطوله٣ وعرضه إلا الله، فيه٤ كُثبانُ المسك رؤوسُها في السماء.
(٢) غيَّره الفقي إلى «إلا قد علم»، وتابعته طبعة الرسالة.
(٣) هذا في ص و«صفة الجنة». وفي النسخ الأخرى: «سعة طوله».
(٤) «فيه» ساقط من ك، ومستدرك في ع.
قال: فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور، ويخرج غلمان المؤمنين بكراسيَّ من ياقوت، فإذا وُضِعت لهم وأخذ القومُ مجالسهم بعث الله عليهم ريحًا تُدعى «المثيرة» تثير١ ذلك المسك، وتُدخلِه من تحت ثيابهم، وتُخرِجه في وجوههم وأشعارهم. تلك الريح أعلَمُ كيف تصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو دُفع إليها كلُّ طيبٍ على وجه الأرض.
قال: ثم يوحي الله ﵎ إلى حملة عرشه: ضعوه بين أظهرهم. فيكون أول ما يسمعون منه: إليَّ يا عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني، وصدَّقوا برسلي، واتَّبعوا أمري. سَلُوا، فهذا يوم المزيد. فيُجْمِعون كلمةً٢ واحدة: رضينا٣ عنك، فارضَ عنَّا. فيرجع الله إليهم: أن يا أهل الجنة، إنِّي لو لم أرضَ عنكم لم أُسْكِنكم داري، فسلوني، فهذا يوم المزيد. فيجتمعون على كلمة واحدة: ربَّنا، وجهَك ننظر إليه. فيكشف تلك الحُجُب فيتجلَّى لهم ﷿، فيغشاهم من نوره شيءٌ لولا أنه٤ قضى أن٥ لا يحترقوا لاحترقوا لما يغشاهم من نوره.
ثم يقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم. فيرجعون إلى منازلهم، وقد أعطى
(١) ج، مب: «تنثر».
(٢) كذا في جميع النسخ مضبوطًا بالنصب في أكثرها، إلا أن رسم الفعل في ك، ع يحتمل: «فيجتمعون». وفي النسخ المطبوعة وطبعات «صفة الجنة»: «فيجتمعون على» كما سيأتي.