وكانت أول خطبة خطبها رسول الله ﷺ فيما بلغني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ــ ونعوذ بالله أن نقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل ــ أنه قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، أيها الناس، فقدِّموا لأنفسكم. تعلَّمُنَّ: والله لَيُصْعَقَنَّ أحدُكم، ثم لَيَدعَنَّ غنَمه ليس لها راعٍ، ثم لَيقولنَّ له ربُّه، ليس له ترجمانٌ ولا حاجبٌ يحجُبه دونه: ألم يأتِك رسولي فبلَّغَك، وآتيتُك مالًا، وأفضلتُ عليك؟ فما قدَّمتَ لنفسك؟ فَلَينظرَنَّ يمينًا وشمالًا، فلا يرى شيئًا. ثم لينظرَنَّ قُدَّامه، فلا يرى غير جهنم. فمن استطاع أن يقي٢ وجهه من النار، ولو بشِقٍّ من تمرة، فليفعل. ومن لم يجد فبكلمة طيِّبة، فإنَّ بها تُجزى الحسنةُ عشرَ٣ أمثالها إلى سبعمائة ضعف. والسلام عليكم ورحمة الله٤ وبركاته».
(١) «السيرة» لابن هشام (١/ ٥٠٠). وأخرجه هناد بن السري في «الزهد» (٤٩٢) والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٥٢٤) من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال: حدثني المغيرة بن عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: «كان أول خطبة خطبها النبي ﷺ بالمدينة أنه قام فيهم ...». فالحديث مرسل. تنبيه: كان في مخطوطة «الزهد» لهناد نحو ما ذكرت، فتصرف محقق «الزهد» في الإسناد حدسًا منه، فجعله: «حدثني المغيرة بن عثمان، عن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق». ومما يؤيد ما في مخطوطة «الزهد» وما عند البيهقي أنه هكذا نقله ابن كثير في «البداية والنهاية» (٤/ ٥٢٨) وكذا ابن رجب في «فتح الباري» (٥/ ٣٨٧).
(٢) ق، م: «يتقي».
(٣) ك، ع: «بعشر».
(٤) لم يرد لفظ الجلالة في م.
قال ابن إسحاق١: ثم خطب رسول الله ﷺ مرةً أخرى، فقال: «إنَّ الحمد لله، أحمده وأستعينه. نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إنَّ أحسنَ الحديث كتابُ الله. قد أفلح من زيَّنه الله في قلبه وأدخله في الإسلام بعد الكفر، فاختاره على ما سواه من أحاديث الناس. إنه أحسنُ الحديث وأبلغُه. أحِبُّوا ما أحبَّ الله٢. أحِبُّوا الله من كلِّ قلوبكم. ولا تملُّوا كلام الله وذكره، ولا تقسُ عنه قلوبكم؛ فإنه [من كلِّ ما يخلُق الله يختار ويصطفي] قد سمَّاه خِيرَتَه من الأعمال [ومصطفاه من العباد] والصالحَ من الحديث، ومن كلِّ ما أوتي الناسُ من الحلال والحرام. فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتقوه حقَّ تقاته، واصدقوا الله صالحَ ما تقولون بأفواهكم. وتحابُّوا بروح الله بينكم. إنَّ الله يغضب أن يُنْكَث عهدُه. والسلام عليكم».
وقد تقدَّم طرَفٌ من خطبه ﷺ عند ذكر هديه في الخطبة٣.
فصل
وكان من هديه ﷺ تعظيم هذا اليوم، وتشريفه، وتخصيصه بعبادات يختصَّ بها عن غيره.
وقد اختلف الفقهاء: هل هو أفضل أم يوم عرفة؟ على قولين، وهما
(١) «السيرة» لابن هشام (١/ ٥٠١) وما بين المعقوفين منه. وأخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٥٢٤، ٥٢٥) بالإسناد المذكور في التخريج السابق.
(٢) «أحبوا ما أحب الله» ساقط من ك، ع.
(٣) الجملة «وقد تقدم ... الخطبة» لم ترد في ص، ق، م. وسيأتي فصل آخر أيضًا في هديه ﷺ في خطبه.