قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة في سريَّة، فوافق ذلك يوم الجمعة. قال: فغدا أصحابه، وقال: أتخلَّف، فأصلِّي مع النَّبيَّ ﷺ، ثم ألحقُهم. فلما صلَّى النبيُّ ﷺ رآه، فقال: «ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟»، قال: أردت أن أصلِّي معك، ثم ألحقهم. فقال: «لو أنفقتَ ما في الأرض ما أدركتَ فضلَ غَدوتهم». وأُعِلَّ هذا الحديث أيضًا بأنَّ الحكمَ لم يسمعه من مِقْسَم١.
هذا إذا لم يخَف المسافر فوتَ رفقته. فإن خاف فوتَ رفقته وانقطاعَه بعدهم جاز له٢ السفر مطلقًا، لأنَّ هذا عذرٌ يُسقِط الجمعة والجماعة. ولعل ما روي عن الأوزاعي أنه سئل عن مسافر سمع أذان الجمعة وقد أسرَج دابَّتَه، فقال: «لِيَمْضِ في سفره»٣ = محمولٌ على هذا. وكذلك قول عمر٤: «الجمعة لا تحبس عن سفر».
(١) والحديث ضعفه الترمذي (١٦٤٩) وقال عقب (٥٢٧): «هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث. وعدّها شعبة، وليس هذا الحديث فيما عدّ شعبة، وكأنَّ هذا الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم». وانظر: «العلل ومعرفة الرجال» رواية عبد الله بن أحمد (١٢٦٩، ٤٠٥٢).
وإن كان مرادهم جواز السفر مطلقًا فهي مسألة نزاع، والدليل هو الفاصل؛ على أن عبد الرزاق قد روى في «مصنفه»١ عن مَعْمر، عن خالد الحذَّاء، عن ابن سيرين أو غيره أنَّ عمر بن الخطاب رأى رجلًا عليه ثياب سفر بعد ما قضى الجمعة، فقال: ما شأنك؟ فقال٢: أردت سفرًا، فكرهت أن أخرج حتى أصلِّي. فقال له عمر: «إن الجمعة لا تمنعك السفر ما لم يحضر وقتها». فهذا هو قول من يمنع السفر بعد الزوال، ولا يمنع منه قبله.
وذكر عبد الرزاق٣ أيضًا عن الثوري، عن الأسود بن قيس، عن أبيه قال: أبصر عمر بن الخطاب رجلًا عليه هيئة السفر، فقال الرجل: إنَّ اليوم يوم الجمعة، ولولا ذلك لخرجتُ. فقال عمر: إنَّ الجمعة لا تحبِس مسافرًا، فاخرُجْ ما لم يحِن الرَّواح.
وذكر٤ أيضًا عن الثوري، عن ابن أبي ذئب، عن صالح بن دينار٥، عن
(١) برقم (٥٥٣٦).
(٢) ق، م، مب، ن: «قال».
(٣) برقم (٥٥٣٧)، ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٥٨). وأخرجه ابن أبي شيبة (٥١٤٧) والبيهقي (٣/ ١٨٧) من طرق عن الأسود بن قيس به.
(٤) في «المصنف» (٥٥٤٠)، وأخرجه أبو داود في «المراسيل» (ص ٢٣٧) والبيهقي (٣/ ١٨٧). فيه صالح بن كثير لا يعرف إلا بهذه الرواية، وقد وصفه أبو داود بأنه كان صاحبًا للزهري. ويشهد له ما أخرجه ابن أبي شيبة (٥١٥٤) عن الفضل بن دُكَين عن ابن أبي ذئب قال: «رأيتُ ابنَ شهاب يريد أن يسافر يوم الجمعة ضحوةً، فقلت له: تُسافِر يوم الجمعة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ سافر يوم الجمعة».
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية والطبعات القديمة، والصواب: «صالح بن كثير» كما في «المصنَّف»، وقد صحِّح في طبعة الرسالة دون تنبيه.