الساعة التي يستجاب فيها يوم الجمعة للعبد المؤمن، فقال لها: مع زَيغ١ الشمس بيسير٢. فإن سألتني٣ بعدها فأنت طالق!
واحتجَّ هؤلاء أيضًا بقوله في حديث أبي هريرة: «وهو قائم يصلِّي»، وبعد العصر لا صلاة في ذلك الوقت، والأخذُ بظاهر الحديث أولى.
قال أبو عمر٤: ويحتجُّ أيضًا مَن ذهب إلى هذا بحديث عليٍّ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا زالت الشمس، وفاءت الأفياء، وراحت الأرواح؛ فاطلبوا إلى الله حوائجكم، فإنها ساعة الأوابين». ثم تلا: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾[الإسراء: ٢٥].
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الساعة التي تُذكَر يوم الجمعة: ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وكان سعيد بن جبير إذا صلَّى العصر لم يكلِّم أحدًا حتى تغرب الشمس٥.
وهذا القول هو قول أكثر السلف، وعليه أكثر الأحاديث. ويليه القول بأنها ساعة الصلاة. وبقية الأقوال لا دليل عليها. وعندي أنَّ ساعةَ الصلاة
(١) ق: «رفع»، وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
(٢) في «الاستذكار» و«التمهيد» بعده: «إلى ذراع».
(٣) ج، ص، صم: «سألتيني»، وكذا في «الأوسط» (٤/ ١٢).
(٤) في «الاستذكار» (٥/ ٨٦)، وانظر: «التمهيد» (١٩/ ٢٣).
(٥) «الاستذكار» (٥/ ٨٦). والأثر وصله ابن عبد البر في «التمهيد» (١٩/ ٢٣، ٢٤). وأخرج عبد الرزاق (٥٥٧٧) نحوه عن عطاء عن أبي هريرة موقوفًا عليه من قوله. وأخرجه ابن أبي شيبة (٥٥٠٤) عن عطاء عن ابن عباس وأبي هريرة كليهما. وانظر: «العلل» للدارقطني (٢١٥٢).
ساعةٌ ترجى فيها الإجابة أيضًا، فكلاهما ساعة إجابة. وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخرَ ساعة بعد العصر، فهي ساعة معيَّنة من اليوم، لا تتقدَّم ولا تتأخَّر. وأمَّا ساعة الصلاة فتابعة للصلاة، تقدَّمت أو تأخَّرت، لأنَّ لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرُّعهم وابتهالهم إلى الله تأثيرًا في الإجابة، فساعةُ اجتماعهم ساعةٌ ترجى فيها الإجابة. وعلى هذا، فتتفق الأحاديث كلُّها، ويكون النَّبيُّ ﷺ قد حضَّ أمَّتَه على الدعاء والابتهال إلى الله في هاتين الساعتين.
ونظير هذا: قوله ﷺ وقد سئل عن المسجد الذي أُسِّس على التقوى فقال: «هو مسجدكم هذا»، وأشار إلى مسجد المدينة١. وهذا لا ينفي أن يكون مسجد قباء الذي نزلت فيه الآية مؤسَّسًا على التقوى، بل كلٌّ منهما مؤسَّس على التقوى. فكذلك قوله في ساعة الجمعة: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة»٢ لا ينافي قولَه في الحديث الآخر: «فالتمِسُوها آخرَ ساعة بعد العصر»٣.
ويشبه هذا في الأسماء قوله ﷺ: «ما تعدُّون الرَّقوب فيكم؟». قالوا: مَن لم يولد له. قال: «الرَّقوب مَن لم يقدِّم مِن ولده شيئًا»٤. فأخبر أن هذا هو الرقوب، إذ لم يحصل له من ولده من الأجر ما حصل لمن قدَّم منهم فَرَطًا.
(١) أخرجه مسلم (١٣٩٨) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) أخرجه مسلم (٨٥٣) من حديث عبد الله بن عمر، وقد تقدم.
(٣) أخرجه أبو داود (١٠٤٨) والنسائي في «المجتبى» (١٣٨٩) و«الكبرى» (١٧٠٩) من حديث جابر بن عبد الله، وقد تقدم.
(٤) جزء حديث أخرجه مسلم (٢٦٠٨) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.