ومثله قوله ﷺ: «ما تعدُّون المفلس فيكم؟». قالوا: مَن لا درهم له ولا متاع. قال: «المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي قد لطَم هذا، وضرَب هذا، وسفَك دم هذا؛ فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته ...»١ الحديث.
ومثله قوله: «ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي تردُّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين: الذي لا يسأل الناس، ولا يُفطَن له فيُتصدَّقَ عليه»٢.
وهذه الساعة ــ وهي آخر ساعة بعد العصر ــ يعظِّمها جميع الملل٣. وعند أهل الكتاب٤ هي ساعة الإجابة، وهذا مما لا غرض لهم في تبديله وتحريفه، وقد اعترف به مؤمنوهم.
وأما من قال بتنقُّلها، فرامَ الجمعَ بذلك بين الأحاديث، كما قيل ذلك في ليلة القدر. وهذا ليس بقوي، فإنَّ ليلة القدر قد قال فيها النبي ﷺ: «فالتمِسُوها في خامسةٍ تبقى، في سابعة تبقى، في تاسعة تبقى»٥، ولم يجئ
(١) أخرجه مسلم (٢٥٨١) من حديث أبي هريرة.
(٢) أخرجه مالك (٢٦٧٢) ومسلم (١٠٣٩) كلاهما من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وانظر كلام المؤلف على هذه الأحاديث في الرقوب والمفلس والمسكين في «طريق الهجرتين» (٢/ ٨٧٩ - ٨٨٠).
(٣) ق، م: «الملك»، تحريف.
(٤) ج، صم: «الكتابين».
(٥) أخرجه البخاري (٢٠٢١) من حديث عبد الله بن عباس.
مثل ذلك في ساعة الجمعة. وأيضًا فالأحاديث التي في ليلة القدر ليس فيها حديث صريح بأنها ليلة كذا وكذا، بخلاف أحاديث ساعة الجمعة، فظهر الفرق بينهما.
وأما قول من قال: رُفِعت١، فهو نظير قول من قال: رُفِعت ليلة القدر. وهذا القائل إن أراد أنها كانت معلومةً، فرُفِع علمُها عن الأمة؛ فيقال له: لم يُرفَع علمُها عن كلِّ الأمة، وإن رُفِع عن بعضهم. وإن أراد أنَّ حقيقتها وكونَها ساعةَ إجابة رُفِعت، فقول باطل مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة، فلا يعوَّل عليه. والله أعلم.
الحادية والعشرون: أنَّ فيه٢ صلاة الجمعة التي خُصَّت من بين سائر الصلوات المفروضات بخصائص لا توجد في غيرها: من الاجتماع، والعدد المخصوص، واشتراط الإقامة٣ والاستيطان، والجهر فيها بالقراءة. وقد جاء من التشديد فيها ما لم يأت نظيره إلا في صلاة العصر. ففي «السنن الأربعة»٤ من حديث أبي الجَعْد الضَّمْري ــ وكانت له صحبة ــ أنَّ رسول
(١) في النسخ المطبوعة: «إنها رفعت»، وكذلك فيما يأتي: «قال إن ليلة القدر رفعت»، ولعل ذلك تصرُّف من بعض النساخ.
(٢) ما عدا ق، م، مب: «فيها».
(٣) ما عدا ص، ق، م، ن: «الإمامة»، تصحيف.
(٤) أبو داود (١٠٥٢) والترمذي (٥٠٠) والنسائي في «المجتبى» (١٣٦٩) و«الكبرى» (١٦٦٨) وابن ماجه (١١٢٥)، وأخرجه الشافعي في «الأم» (٢/ ٤٣٠) وأحمد (١٥٤٩٨) والبيهقي (٣/ ١٧٢، ٢٤٧)، وصححه ابن خزيمة (١٨٥٨) وابن حبان (٢٧٨٦) والحاكم (١/ ٢٨٠، ٣/ ٦٢٤) والألباني في «صحيح أبي داود- الأم» (٤/ ٢١٨ - ٢٢٠). وانظر لشواهده: «البدر المنير» (٤/ ٥٨٣ - ٥٨٩).