الله ﷺ قال: «من ترك ثلاثَ جُمَع تهاونًا طبع الله على قلبه». قال الترمذي: حديث حسن، وسألت محمدًا عن اسم أبي الجعد الضَّمْري فلم يعرف١ اسمه، وقال: لا أعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث.
وقد جاء في «السنن» عن النبي ﷺ الأمرُ لمن تركها أن يتصدَّق بدينار فإن لم يجد فبنصف دينار. رواه أبو داود والنسائي٢ من رواية قُدامة بن وَبْرة عن سَمُرة بن جندب. ولكن قال أحمد٣: قدامة بن وبرة لا يُعرف. وقال يحيى بن معين: ثقة٤. وحكي عن البخاري: لا يصحُّ سماعه من سَمُرة بن جندب٥.
وأجمع المسلمون على أن الجمعة فرض عين إلا قولًا يحكى عن الشافعي إنها فرض كفاية. وهو غلط عليه، منشؤه أنه قال: وأما صلاة العيد فتجب على من تجب عليه صلاة الجمعة. فظنَّ هذا القائل أن العيد لما كانت
(١) في طبعة الرسالة: «وسألت محمد بن إسماعيل ... الضمري فقال: لم يعرف». وهو تصرف في المتن. وقد تصرفت فيه الطبعات السابقة أيضًا على أنحاء مختلفة.
(٢) أبو داود (١٥٠٣) والنسائي في «المجتبى» (١٣٧٢) و«الكبرى» (١٦٧٣)، قال البخاري في «التاريخ الكبير» (٤/ ١٧٧): «لا يصح حديث قدامة في الجمعة». وقد روي مرسلًا، وهو الذي صوَّبه أحمد في «العلل» برواية عبد الله (٣٦٧) وأبو حاتم في «العلل» لابنه (٥٦٣). وانظر: «ضعيف أبي داود- الأم» (٩/ ٤٠١ - ٤٠٥).
(٣) «العلل» برواية ابنه عبد الله (٣٦٧)
(٤) نقله عنه سعيد بن عثمان الدارمي في «تاريخه» عنه (٦٩٩).
(٥) نقله عنه العقيلي في «الضعفاء» (٥/ ١٤٢). ولم يرد «بن جندب» في ق، م وكذا في النسخ المطبوعة.
فرض كفاية كانت الجمعة كذلك١. وهذا فاسد، بل هذا نصٌّ من الشافعي أنَّ العيد واجبة٢ على الجميع. وهذا يحتمل أمرين: أن يكون فرضَ عين كالجمعة، وأن يكون فرض كفاية، فإنَّ فرض الكفاية يجب على الجميع كفرض الأعيان سواء، وإنما يختلفان في سقوطه عن البعض ــ بعد وجوبه ــ بفعل الآخرين.
الثانية والعشرون: أنَّ فيه الخطبة التي مقصودها الثناء على الله وتمجيده، والشهادةُ له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، وتذكيرُ العباد بأيامه٣، وتحذيرُهم من بأسه ونِقَمه، ووصيَّتُهم بما يقرِّبهم إليه وإلى جنَّاته٤، ونهيهم عما يقرِّبهم من سخطه وناره، فهذا هو مقصود هذه الخطبة والاجتماع لها.
الثالثة والعشرون: أنه اليوم الذي يستحَبُّ التفرُّغُ فيه للعبادة، وله على سائر الأيام مزيَّةٌ بأنواعٍ من العبادات واجبةٍ ومستحبَّةٍ. فالله سبحانه جعل لأهل كلِّ ملَّة يومًا يتفرَّغون فيه لعبادته، ويتخلَّون فيه عن أشغال الدنيا، فيومُ الجمعة يومُ عبادة. وهو في الأيام كشهر رمضان في الشهور، وساعة الإجابة فيه كليلة القدر في رمضان. ولهذا من صحَّ له يومُ جمعته وسلِمَ سلِمَتْ له سائرُ جمعته. ومن صحَّ له رمضانُ وسَلِم صحَّت له سائرُ سَنته. ومن صحَّت له حجَّته وسلِمَتْ صحَّ له سائر عُمره. فيومُ الجمعة ميزان الأسبوع، ورمضانُ ميزان العام، والحجُّ ميزان العمر. وبالله التوفيق.
(١) انظر: «المجموع شرح المهذب» (٤/ ٣٨٣).
(٢) يعني: صلاة العيد. وقد زيدت كلمة «صلاة» في ج. وفي المطبوع: «واجب».