مجرَّدةً عن الاقتران١ بالغُدوِّ. قال٢ الأزهري في «التهذيب»٣: سمعت العرب تستعمل الرَّواحَ في السَّير كلَّ وقت. تقول: راح القوم، إذا ساروا وغدَوا. ويقول أحدهم لصاحبه: تروَّحْ. ويخاطب أصحابه، فيقول: رُوحوا أي سيروا. ويقول الآخر: ألا تروحون؟ ونحو ذلك ما جاء في الأخبار الصحيحة الثابتة، وهو بمعنى المضيِّ إلى الجمعة والخفَّة إليها، لا بمعنى الرَّواح بالعشي٤.
وأما لفظ التهجير والهجير٥ والمهجِّر فمن الهَجْر٦ والهاجرة. قال الجوهري٧: هي نصف النهار عند اشتداد الحرِّ. تقول منه: هجَّر النَّهارُ. قال امرؤ القيس٨:
فدَعْها وسَلِّ الهَمَّ عنها بجَسْرةٍذَمُولٍ إذا صام النَّهارُ وهجَّرا
(١) ص، ج: «الإقران»، تصحيف.
(٢) ك، ع: «وقال».
(٣) (٥/ ٢٢١ - ٢٢٢). وقد غيَّرت طبعة الرسالة في كلام الأزهري في غير موضع اعتمادًا على مطبوعة «التهذيب».
(٤) وانظر: «الزاهر» للأزهري (ص ٤٣).
(٥) «والهجير» من ص، ق، م. وقد أضيف في حاشية ج بعلامة صح.
(٦) ما عدا ق: «الهجرة». ولعل الصواب ما أثبت لأن قول الجوهري: «نصف النهار عند اشتداد الحرّ» تفسير الهجر والهاجرة، لا الهجرة.
(٧) في «الصحاح» (٢/ ٨٥١).
(٨) من قصيدة في «ديوانه» (ص ٦٣). وكذا ورد «عنها» في جميع النسخ، ولعله سهو، فإن الرواية في «الصحاح» وغيره: «عنك».
ويقال: أتينا أهلَنا مُهْجِرين، أي في وقت الهاجرة. والتهجير والتهجُّر١: السَّير في الهاجرة.
فهذا ما يقرَّر به قولُ أهل المدينة.
قال الآخرون: الكلام في لفظ التهجير كالكلام في لفظ الرَّواح، فإنه يطلق ويراد به التبكير. قال الأزهري في «التهذيب»٢: روى مالك٣ عن سُمَيٍّ عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لو يعلم الناسُ ما في التهجير لَاسْتَبقُوا إليه». وفي حديث آخر مرفوع: «المهجِّر إلى الجمعة كالمُهْدي بدَنةً». قال: يذهب كثير من الناس إلى أنَّ التهجير في هذه الأحاديث من الهاجرة وقتَ الزَّوال، وهو غلط. والصواب فيه ما روى أبو داود المصاحفي عن النَّضْر بن شُمَيل أنه قال: التهجير٤ إلى الجمعة وغيرها: التبكير. قال: وسمعت الخليل يقول ذلك، قاله في تفسير هذا الحديث. قال الأزهري: وهذا صحيح. وهي لغة أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس. قال لبيد:
راحَ القَطينُ بهَجْرٍ بعد ما ابتكروا٥
(١) ق، م: «الهجير»، وفي ك: «التهجير» مكررًا. وهو ساقط من ع، فكتب بعضهم في هامشها: «والهجر هو».
(٢) (٦/ ٤٣ - ٤٥). والنص المنقول هنا موافق لما نقله صاحب «اللسان» من «التهذيب».
(٣) في «الموطأ» (١٧٤)، ومن طريقه أخرجه البخاري (٦١٥) ومسلم (٤٣٧).
(٤) ق، م: «التهجُّر». وفي «التهذيب» كما أثبت من غيرهما.
(٥) عجز البيت: فما تُواصِلُه سلمى وما تذرُ. وهو مطلع قصيدة في «شرح ديوان لبيد» (ص ٥٨). وقد زادوا الشطر الثاني في طبعة الرسالة دون مسوِّغ، ودون تنبيه كعادتهم. ثم فاتهم أن الأزهري لم ينشد في «التهذيب» إلا صدر البيت!