زاد المعاد

فقرَنَ الهَجْرَ بالابتكار. والرَّواحُ عندهم: الذهاب والمضي. يقال: راح القوم إذا خفُّوا ومرُّوا أيَّ وقت كان.

وقوله ﷺ: «لو يعلم الناسُ ما في التهجير لَاسْتَبقُوا إليه» أراد التبكير إلى جميع الصلوات، وهو المضيُّ إليها في أول أوقاتها. قال الأزهري: وسائر العرب يقولون: هجَّر الرجلُ، إذا خرج بالهاجرة. وروى أبو عبيد عن أبي زيد: هجَّر الرجلُ، إذا خرج بالهاجرة. قال: وهي نصف النهار.

ثم قال الأزهري: أنشدني المنذري١ فيما روى لثعلب عن ابن الأعرابي في «نوادره» قال: قال جِعْثِنَة٢ بن جوَّاس الرَّبَعي في ناقته:

هل تذكرين قسَمي ونَذْريأزمانَ أنتِ بعَرُوضِ الجَفْرِ٣
إذ أنتِ مِضْرارٌ جوادُ الحُضْرِعليَّ إن لم تنهَضي بوِقْرِ٤
بأربعين قُدِّرتْ بقَدْرِبالخالديِّ لا بصاعِ حَجْرِ٥
  1. (١) هكذا على الصواب في مب، ن. وفي ص بياض مكان الياء، وفي غيرها: «المنذر».
  2. (٢) ضبط في م بفتح الجيم، وفي ج، ك، ع بضم الجيم. وفي ق: «جعينة»، تصحيف. ولم يرد في مطبوعة «التهذيب» من كلمته إلا أربعة أشطر. وهي جميعًا في «اللسان».
  3. (٣) يعني: طريق الجفر، والجفر موضع.
  4. (٤) في «اللسان»: «بوقري». والوِقر: الحِمل. والمِضرار: التي تنفر من شدّة نشاطها. وجواد الحضر: سريعة العدو.
  5. (٥) ما عدا ق، ن: «الخالدين»، تصحيف. والخالدي: ضربٌ من المكاييل. نقله ابن سيده في «المحكم» (٥/ ٨٦) عن ابن الأعرابي. وانظر: «البيان» للجاحظ (١/ ٣١٥). وحَجْر: قصد به اليمامة.
502
وتصحَبي أَيانِقًا في سَفْريهجِّرون بهَجِير الفجر١
ثُمَّتَ تَسْري٢ ليلهم فتَسْرييطوُون أعراضَ الفِجَاج الغُبْر

طيَّ أخي التَّجْرِ بُرودَ التَّجْرِ٣

قال الأزهري: «يهجِّرون بهجير الفجر» أي يبكِّرون بوقت الفجر.

وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أولَ النهار، فهذا غايته أنه عملهم في زمان مالك ﵀، وهذا ليس بحجة ولا عند من يقول: إجماع أهل المدينة حجة، فإنَّ هذا ليس فيه إلا تركُ الرَّواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز بالضرورة. وقد يكون اشتغالُ الرجل بمصالحه٤ ومصالح أهله ومعايشه٥ وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضلَ من رواحه إلى الجمعة من أول النهار.

ولا ريب أنَّ انتظارَ الصلاة بعد الصلاة وجلوسَ الرجل في مصلَّاه حتى يصلِّي الصلاة الأخرى أفضل من ذهابه ورجوعه في وقت الثانية، كما قال النبي ﷺ: «والذي ينتظر الصلاة حتى يصلِّيها مع الإمام أفضل من الذي يصلِّي ثم يرجع إلى أهله»٦. وأخبر أنَّ الملائكة لم تزل تصلِّي عليه ما دام

  1. (١) الأيانق: النوق. والسَّفْر: المسافرون.
  2. (٢) كذا في النسخ والطبعات القديمة. وفي «اللسان»: «تمشي» ومنه أثبته الفقي في نشرته مكان «تسري».
  3. (٣) التَّجْر: التجار.
  4. (٤) م، ن: «لمصالحه»، تصحيف. وهو ساقط من مب
  5. (٥) ق، م، مب، ن: «معاشه».
  6. (٦) أخرج البخاري (٦٥١) ومسلم (٦٦٢) وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ: «... والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام»، قال مسلم: وفي رواية أبي كريب: «حتى يصليها مع الإمام في جماعة».
503

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي