قال الأزهري: «يهجِّرون بهجير الفجر» أي يبكِّرون بوقت الفجر.
وأما كون أهل المدينة لم يكونوا يروحون إلى الجمعة أولَ النهار، فهذا غايته أنه عملهم في زمان مالك ﵀، وهذا ليس بحجة ولا عند من يقول: إجماع أهل المدينة حجة، فإنَّ هذا ليس فيه إلا تركُ الرَّواح إلى الجمعة من أول النهار، وهذا جائز بالضرورة. وقد يكون اشتغالُ الرجل بمصالحه٤ ومصالح أهله ومعايشه٥ وغير ذلك من أمور دينه ودنياه أفضلَ من رواحه إلى الجمعة من أول النهار.
ولا ريب أنَّ انتظارَ الصلاة بعد الصلاة وجلوسَ الرجل في مصلَّاه حتى يصلِّي الصلاة الأخرى أفضل من ذهابه ورجوعه في وقت الثانية، كما قال النبي ﷺ: «والذي ينتظر الصلاة حتى يصلِّيها مع الإمام أفضل من الذي يصلِّي ثم يرجع إلى أهله»٦. وأخبر أنَّ الملائكة لم تزل تصلِّي عليه ما دام
(١) الأيانق: النوق. والسَّفْر: المسافرون.
(٢) كذا في النسخ والطبعات القديمة. وفي «اللسان»: «تمشي» ومنه أثبته الفقي في نشرته مكان «تسري».
(٣) التَّجْر: التجار.
(٤) م، ن: «لمصالحه»، تصحيف. وهو ساقط من مب
(٥) ق، م، مب، ن: «معاشه».
(٦) أخرج البخاري (٦٥١) ومسلم (٦٦٢) وغيرهما من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال النبي ﷺ: «... والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام»، قال مسلم: وفي رواية أبي كريب: «حتى يصليها مع الإمام في جماعة».
في مصلَّاه١. وأخبر أنَّ انتظار الصلاة بعد الصلاة مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات وأنه الرِّباط٢. وأخبر أنَّ الله تعالى يباهي ملائكته بمن قضى فريضةً وجلس ينتظر أخرى٣. وهذا يدل على أنَّ من صلّى الصبح ثم جلس ينتظر الجمعة فهو أفضل ممَّن يذهب ثم يجيء في وقتها. وكون أهل المدينة وغيرهم لا يفعلون ذلك لا يدل على أنه مكروه، فهكذا المجيء إليها والتبكير في أول النهار. والله أعلم.
الرابعة والعشرون٤: أنَّ للصدقة فيه مزية عليها في سائر الأيام. والصدقةُ فيه بالنسبة إلى سائر أيام الأسبوع كالصدقة في شهر رمضان بالنسبة إلى سائر الشهور. وشاهدت شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه إذا خرج إلى الجمعة يأخذ من البيت ما وجد من خبز أو غيره، فيتصدَّق به في طريقه سِرًّا. وسمعته يقول: إذا كان الله قد أمرَنا بالصدقة بين يدي مناجاة رسوله
(١) أخرجه مالك (٤٤١، ٤٤٤) والبخاري (٤٤٥، ٦٥٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه مالك (٤٤٥) ومسلم (٢٥١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه أحمد (٦٧٥٠) وابن ماجه (٨٠١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والحديث صحيح. وانظر: «الصحيحة» (٦٦١).
(٤) كذا في جميع النسخ: «الرابعة والعشرون» مكررة ما عدا ن. والظاهر أن السهو قد وقع في أصل المصنف ثم استمَّر العدُّ على ذلك إلى آخره. وله نظائر في كتبه الأخرى. انظر مثلًا: «طريق الهجرتين» (١/ ٣٦٦). وفي الطبعة الهندية وغيرها: «الخامسة والعشرون».